بين قرار إنهاء عقود المستشارين وتقييم تجربة حكومة السوداني.. الإنصاف قبل الأحكام المسبقة
وكالة حقائق الاخبارية – تقرير خاص
أثار قرار رئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي إنهاء عقود 69 مستشاراً في مكتبه، جدلاً سياسياً وإعلامياً، ربط فيه بعض المتداولين جميع المشمولين بالقرار بحكومة رئيس الوزراء السابق السيد محمد شياع السوداني، من دون التمييز بين تواريخ التعيين ومراحل التعاقد.
وبحسب المعلومات المتاحة، فإن خمسة من المستشارين كانوا ضمن حكومة السيد مصطفى الكاظمي، و32 مستشارا في حكومة السيد السوداني فيما جرى تعيين نحو 26 مستشاراً بعد انتهاء مهام حكومة السوداني. مع وجود 6 مستشارين لم يباشروا العمل
وهذه تفاصيل تستدعي توثيقاً رسمياً، لكنها تؤكد أهمية عدم إطلاق أحكام عامة قبل التحقق من الوقائع، فنسبة جميع التعيينات إلى حكومة واحدة لا تحقق الدقة والإنصاف.
إن إنهاء العقود إجراء إداري يمكن تقييمه في ضوء حاجة المكتب إلى المستشارين، وكلفة التعاقد، والمهام التي أُنجزت. لكنه لا يمثل، بحد ذاته، حكماً على تجربة حكومية كاملة، كما لا يثبت وجود مخالفات بحق جميع المشمولين بالقرار.
إن تجربة حكومة السيد محمد شياع السوداني تستحق تقييماً شاملاً يتناول ما تحقق من مشاريع اقتصادية وعمرانية وخدمية، إلى جانب جهود تحريك المشاريع المتلكئة التي ورثتها الدولة من حكومات سابقة.
لقد شهدت تلك المرحلة إطلاق مشاريع جديدة في قطاعات متعددة، والعمل على إعادة مشاريع متوقفة إلى مسار التنفيذ، وهو جانب مهم في استثمار الأموال العامة وتسريع تقديم الخدمات للمواطنين. وقد أظهرت بيانات حكومية منشورة تراجع عدد المشاريع المتلكئة من 2611 إلى 1455 مشروعاً خلال العامين الأولين من الحكومة، مع استئناف العمل في 1156 مشروعاً، وإنجاز 159 مشروعاً منها بالكامل وفق تلك البيانات.
ولا يعني ذلك أن جميع المشاريع حققت أهدافها، أو أن الحكومة تجاوزت كل التحديات؛ فقد ظلت ملفات الكهرباء والبطالة والفساد والاعتماد على الإيرادات النفطية بحاجة إلى معالجات أعمق. فالإنصاف لا يقتضي إنكار الإنجازات، كما لا يبرر تجاهل الإخفاقات.
وهنا لا يمكن تجاهل تأثير التنافس السياسي في طريقة تناول القرارات الحكومية، خصوصاً عند انتقال السلطة، إذ قد تتحول الإجراءات الإدارية إلى مادة لتسجيل المواقف وتضخيم الخلافات. غير أن ذلك لا يعني أن كل نقد تحركه دوافع سياسية، أو أن كل قرار حكومي يستهدف خصومه. فالمعيار الصحيح هو الوقائع والنتائج.
وقد حظيت تجربة السوداني بتأييد شعبي ملحوظ لدى قطاعات رأت في المشاريع والتحركات الخدمية مؤشرات إيجابية، فيما بقيت بعض الجهات تنتقد أداء الحكومة في ملفات متعددة. وهذا التباين طبيعي في أي تجربة سياسية، ولا ينبغي اختزاله في صورة واحدة أو ادعاء وجود إجماع شامل.
إن تقييم الحكومة السابقة يجب أن يستند إلى حصيلة أعمالها، لا إلى قرار إداري واحد صدر بعد انتهاء مهامها، مثلما أن نجاح الحكومة الحالية لا يُقاس بعدد العقود التي تنهيها، بل بمدى انعكاس قراراتها على كفاءة الإدارة وترشيد الإنفاق وتحسين الخدمات.
إن قضية المستشارين تستحق التدقيق في الأسماء وتواريخ التعيين والعقود، منعاً لتحميل حكومة واحدة مسؤولية جميع التعيينات. كما أن تجربة حكومة السوداني، شأنها شأن سائر الحكومات، تتضمن جوانب إيجابية وأخرى سلبية، وينبغي تقييمها وفق نتائج ملموسة ومعايير موضوعية.
فالإنصاف ليس دفاعاً عن شخص أو انحيازاً لحكومة، بل التزام بالحقيقة؛ والاختلاف السياسي لا ينبغي أن يكون مبرراً لتشويه الوقائع أو مصادرة الإنجازات أو تجاهل الإخفاقات.
والعراق أحوج ما يكون إلى خطاب إعلامي يضع الحقيقة فوق المنافسة، ويمنح كل تجربة حكومية حقها في التقييم الموضوعي، بعيداً عن المبالغة والتسقيط والتعميم