مركز الحضارات للثقافة والآداب يناقش دور الإعلام العراقي في مشروع بناء الدولة
ناقش إعلاميون وأكاديميون أهمية الدور الذي يؤديه الإعلام العراقي في مشروع بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها، وتعزيز قيم المواطنة والثقة المتبادلة بين المجتمع والمؤسسات الدستورية، مشددين على ضرورة تطوير الأداء الإعلامي، وتعزيز الاستقلالية المهنية، واستعادة ثقة المجتمع بمهنة الصحافة، وتوفير بيئة تساعد الصحفيين على أداء مهامهم بمسؤولية وكفاءة.
جاء ذلك خلال ندوة حوارية نظمها مركز الحضارات للثقافة والآداب، التابع لمؤسسة نبض الوطن للدراسات والثقافة والإعلام، بعنوان (الإعلام العراقي ودوره في مشروع بناء الدولة)، بمشاركة نخبة من الإعلاميين والأكاديميين والمهتمين بالشأن العام، لمناقشة واقع الإعلام العراقي والتحولات التي يشهدها، والتحديات التي تواجهه في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة، فضلًا عن دوره في تشكيل الوعي العام، ومتابعة أداء المؤسسات، وترسيخ مبادئ المواطنة وسيادة القانون والمساءلة.
وفي مستهل الندوة، أكد مدير مركز الحضارات للثقافة والآداب، الدكتور محمد الكاظم، أن تنظيم هذه الندوة يأتي ضمن سلسلة الأنشطة الفكرية والحوارية التي يقيمها المركز، مشيرًا إلى أن موضوع الإعلام يحظى بأهمية خاصة لارتباطه بالتحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها العراق، وبالدور الذي يمكن أن يؤديه في دعم مشروع بناء الدولة وتطوير مؤسساتها.
وقال الكاظم، إن الإعلام يمثل شريكًا أساسيًا في بناء الدولة، لما له من تأثير في تشكيل الوعي العام، وتهيئة المناخ الذي يعزز انتماء المواطن، وتكريس تفاعله مع الدولة، والمحافظة على وحدة المجتمع، وأكد ضرورة تطوير خطاب إعلامي مهني ومسؤول يدعم استقرار مؤسسات الدولة الدستورية، ويعزز حضورها بما يحافظ على التجربة، ويضمن الاستقرار، بعيدًا عن التحولات الحادة التي قد تفرضها التغييرات الحكومية أو الاستحقاقات الانتخابية.
وأضاف أن من المهم تعزيز جاهزية الإعلام العراقي على التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتمكينه من أداء وظائفه في التثقيف والتوعية والتنمية، إلى جانب دوره في التنبيه إلى مواطن الخلل وتصحيحها، والإسهام في حماية المصالح العليا للبلاد.
وشدد الكاظم على ضرورة إبعاد الإعلام عن التجاذبات السياسية، وعدم تحويله إلى أداة للتنافس بين أطراف المشهد السياسي، موضحًا أن انعكاس الصراعات السياسية على الخطاب الإعلامي قد يسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية والتأثير في قناعات المواطنين، الأمر الذي يستدعي تعزيز المهنية والتوازن، وإتاحة المجال أمام تعدد الآراء في إطار من المسؤولية واحترام القانون. مؤكدا أن دعم الدولة ومؤسساتها لا يتعارض مع حق الإعلام في النقد والمساءلة، بل إن الإعلام المهني قادر على الإسهام في تطوير الأداء المؤسسي من خلال كشف مواطن الخلل، ومتابعة القضايا العامة، وطرح المعالجات الممكنة. كما أشار إلى أهمية أن يستند الخطاب الإعلامي إلى المصالح الوطنية والمبادئ الدستورية، بصرف النظر عن تركيبة الحكومات والأطراف المشاركة فيها، انطلاقًا من أن الحكومات تتعاقب، فيما تستمر الدولة ومؤسساتها.
في ذات السياق قال عضو لجنة الثقافة والاعلام في البرلماني العراقي النائب سعود الساعدي إن الاعلام العراقي منقسم الى اتجاهات كثيرة، نظرا لطبيعة توجهات المؤسسات الإعلامية، وهذا جزء من انعكاسات المشهد السياسي الذي تتجاذبه توجهات متنوعة، وأكد الساعدي على ضرورة ضبط البوصلة باتجاه مصلحة البلاد. مشيرا الى ان مجلس النواب العراقي أصدر عددا من التشريعات التي تكفل حرية الرأي، وتكفل حماية الصحفيين وأصحاب الرأي.
من جانبه، دعا عميد كلية الإعلام في جامعة بغداد، الدكتور عمار طاهر محمد، إلى إنشاء مدينة إعلامية متكاملة في العراق، على غرار التجارب القائمة في دبي والقاهرة وعمّان، بما يسهم في الارتقاء بجودة العمل الإعلامي، وتطوير البنية التحتية للمؤسسات الإعلامية، وتوفير بيئة مناسبة للإنتاج والتدريب والتعاون بين مختلف الجهات العاملة في القطاع.
وتناول طاهر أهمية تطوير البيئة المهنية للإعلام العراقي، مؤكدًا دور التدريب المستمر والتأهيل الأكاديمي في إعداد كوادر قادرة على مواكبة التحولات الرقمية ومتطلبات العمل الصحفي الحديث. كما دعا إلى توسيع مجالات التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجامعات، والاستفادة من الخبرات الأكاديمية في تطوير الممارسة المهنية، وتعزيز الاهتمام بالقضايا المرتبطة بالتنمية والخدمات والإدارة العامة وحقوق المواطنين.
وفي محور العلاقة بين الإعلام والسلطة، تناول الإعلامي سالم مشكور أهمية ترسيخ الاستقلال المهني والتحريري، وتوفير المعلومات الدقيقة للصحفيين، بما يساعدهم على متابعة الشأن العام وتقديم صورة واضحة وموثوقة للأحداث. كما أشار إلى مسؤولية المؤسسات الإعلامية في التعامل مع المعلومات المتداولة عبر المنصات الرقمية، والتحقق من مصادرها قبل نشرها، بما يعزز ثقة الجمهور بالإعلام ويسهم في الحد من انتشار المعلومات المضللة وغير الدقيقة.
وأكد مشكور ضرورة حماية حرية الرأي والتعبير، وعدم توظيف الأدوات القانونية والديمقراطية وسيلةً للضغط على أصحاب الرأي أو تقييد عمل الصحفيين والكتّاب، مشددًا على أهمية معالجة الخلافات المتعلقة بالنشر في إطار يحترم حرية التعبير ويصون الحقوق، مع الالتزام بالقانون وضمانات العدالة.
وأشار الاعلامي الدكتور عمار منعم إلى أهمية تطوير أداء الإعلام الحكومي وتوضيح طبيعة وظيفته، بوصفه إعلامًا معنيًا بخدمة الجمهور ونقل المعلومات المتعلقة بعمل مؤسسات الدولة وأنشطتها. وأكد ضرورة التمييز بين الإعلام الذي يمثل المؤسسة العامة ويعبّر عن سياساتها وقراراتها، والإعلام الذي يرتبط بالنشاط الشخصي لمسؤول بعينه، مبينًا أن وضوح هذه الحدود من شأنه أن يعزز المهنية، ويرسخ الثقة بالمؤسسات العامة، ويجعل الخطاب الإعلامي أكثر اتصالًا باحتياجات المواطنين.
من جهته، دعا الدكتور الباحث الدكتور رياض البدران إلى تعزيز الالتزام بأخلاقيات المهنة وترسيخ المسؤولية الوطنية والاجتماعية لدى العاملين في المجال الإعلامي، مؤكدًا أهمية تطوير المهارات الصحفية من خلال التدريب المستمر، بما يمكّن الإعلاميين من التعامل مع القضايا العامة بمهنية ودقة، والإسهام في حماية التماسك المجتمعي وتعزيز الثقة بالمؤسسات.
كما أكد الإعلامي الدكتور حسين رياض أهمية إقامة مثل هذه الندوات التي تتيح المجال لمناقشة واقع الإعلام العراقي واستشراف سبل تطويره، مشيرًا إلى ضرورة تحقيق التوازن بين حرية العمل الإعلامي والمسؤولية المهنية، وبناء علاقة قائمة على الثقة مع الجمهور من خلال الاهتمام بقضايا المواطنين، ومتابعة أداء المؤسسات العامة، وتقديم المعلومات التي تساعد على فهم الشأن العام. داعياً الى النظر الى الجوانب الإيجابية في تجربة الاعلام العراقي الذي تجاوزت نسبة الحرية المتاحة له الكثير من دول المنطقة.
فيما تحدث الباحث د. عباس الاسدي عن أهمية توفير البيئة القانونية والمهنية التي تحمي الصحفيين، ورفع مستوى التأهيل المهني، للعاملين في مهنة الصحافة، والاعتماد على الخبرات الإعلامية والكفاءات التي تعمل بمسؤولية تجاه البلد.
فيما أشاد المعماري والأكاديمي المعروف د. عبد الحسين العسكري، بدور الاعلام العراقي الذي واجه تحديات كثيرة في واقع سياسي واجتماعي شهد تغيرات كثيرة بعد عام 2003، وكان الاعلام عنصرا فعالا في بناء التجربة الديمقراطية في العراق، مشيرا الى ضرورة توفير الدعم الكافي لوسائل الاعلام والاعتماد على الخبرات والكفاءات الإعلامية التي اثبتت مسؤوليتها في مواطن كثيرة.
من جهته، انتقد رئيس تحرير وكالة كنوز ميديا، السيد عدنان فرج الساعدي، غياب الدعم الحكومي الجاد للإعلام المستقل، ولا سيما الصحف والوكالات الإخبارية، مشيراً إلى أن الإعلام الحكومي لم ينجح، بحسب تقديره، في ترسيخ دور فاعل في بناء الدولة، فيما أسهم التنافس السياسي في توظيف بعض وسائل الإعلام الحزبية ضد مشاريع حكومية.
وأضاف أن الدعم المحدود المتمثل بالإعلانات الزهيدة لم يعد كافياً لضمان استمرار المؤسسات الإعلامية المستقلة، الأمر الذي أدى إلى تراجعها ووصول بعضها إلى حافة التوقف، متسائلاً: متى تنصف الدولة الإعلام المستقل وتدعمه، في ظل الموازنات المالية الضخمة؟
وشهدت الندوة نقاشات ومداخلات من الصحفيين والإعلاميين الحاضرين، تناولت واقع الإعلام الحكومي والظروف التي يعمل في ظلها الصحفيون، وسبل تعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية وتطوير أدائها. كما تركز جانب من النقاش على أهمية تحقيق التوازن بين التعددية في الخطاب الإعلامي والحاجة إلى أداء مهني يتيح الاختلاف في الرأي، ويحول دون انتقال التنافس السياسي إلى عامل يحد من فرص التواصل والحوار داخل المجتمع.
وتطرقت المداخلات إلى أهمية تعزيز الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات والجهات المعنية، وتوفير بيئة مهنية تساعد الصحفيين على أداء مهامهم، فضلًا عن تطوير آليات الوصول إلى المعلومات، ودعم التحقيقات الصحفية الرصينة، والاهتمام بالقضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
كما برزت الحاجة إلى الارتقاء بالمعايير المهنية في الوسط الإعلامي، وتعزيز الالتزام بالكفاءة والخبرة والتأهيل، بما يحفظ مكانة المهنة ويحد من الممارسات التي تسيء إليها أو تنتقص من ثقة الجمهور بها. وأكد المشاركون أهمية أن يستند العمل الإعلامي إلى المعرفة والتخصص والتحقق من المعلومات، وأن تظل الكفاءة المهنية والأخلاقية معيارًا أساسيًا للعمل في هذا المجال.
وتناول النقاش كذلك أثر التطورات التكنولوجية وانتشار منصات التواصل الاجتماعي في طبيعة العمل الإعلامي، وما أتاحته من فرص واسعة للوصول إلى الجمهور وتوسيع المشاركة في النقاش العام، وما فرضته في المقابل من تحديات تتعلق بسرعة تداول المعلومات، والتحقق من صحتها، ومواجهة الأخبار المضللة، والحفاظ على المعايير المهنية في بيئة إعلامية تتسم بالتنافس المتزايد.
وأكد المشاركون أن تطوير الإعلام العراقي يتطلب رؤية متكاملة لا تقتصر على تحديث الأدوات والتقنيات، بل تشمل بناء القدرات المهنية، وتعزيز استقلالية المؤسسات، وتوفير المعلومات، وترسيخ أخلاقيات العمل الصحفي، وتوسيع فرص التعاون بين الإعلاميين والأكاديميين وصناع القرار. كما شددوا على أهمية توجيه الاهتمام الإعلامي نحو قضايا التنمية والخدمات والإدارة العامة وحقوق المواطنين، بما يجعل الإعلام أكثر قربًا من احتياجات المجتمع وأكثر قدرة على الإسهام في معالجة مشكلاته.
وفي ختام الندوة، برزت الحاجة إلى مواصلة الحوار بين الإعلاميين والأكاديميين وصناع القرار بشأن مستقبل الإعلام العراقي، والعمل على تطوير بيئة مهنية تدعم حرية الإعلام واستقلاليته، وتعزز في الوقت نفسه الالتزام بالدقة والمسؤولية واحترام التنوع. فدور الإعلام لا يقتصر على نقل الأحداث، بل يمتد إلى تفسيرها وإتاحة المجال للنقاش بشأنها، ومتابعة أداء المؤسسات العامة، والإسهام في نشر الوعي وتعزيز المساءلة وترسيخ ثقافة المواطنة وسيادة القانون.
وجرى خلال تلك الندوة تقديم تكريم خاص من مؤسسة نبض الوطن لشيخ المذيعين العراقيين الأستاذ نسيم حسن الذي استمر في العطاء الإعلامي لنصف قرن قضاها داخل وخارج العراق في خدمة مهنة الاعلام وقضايا الوطن والأمة.
وتأتي هذه الندوة ضمن اهتمام مركز الحضارات للثقافة والآداب بتنظيم الفعاليات الفكرية والحوارية التي تتيح تبادل الخبرات ومناقشة القضايا العراقية، وفتح المجال أمام رؤى ومقترحات عملية تسهم في تطوير الأداء المؤسسي، وتعزيز دور الثقافة والإعلام في بناء الدولة والمجتمع.