عندما يُصبح “حجاب المسلمة” استثناءً من حقوق الإنسان!! بقلم طارق الغانمي
شهدت الساحة الفكرية والحقوقية في العقود الأخيرة تضخّمًا غير مسبوق في الخطابات التي تتغنى بحقوق الإنسان، أو حرية الجسد، وحق الاختيار. وارتفعت الشعارات في المحافل الدولية والمؤسسات الأممية للتأكيد على أن حرية الفرد في التعبير عن هويته وقناعاته هي جوهر الكرامة الإنسانية التي لا تقبل التجزئة. غير أن هذه المبادئ الرفيعة والمحفورة في المواثيق الدولية وسيرورات النسوية المعاصرة سرعان ما تصطدم جدارًا صلبًا من الصمت المريب عندما تتصل القضية بالمرأة المسلمة وحقها في ممارسة شعائرها ودينها، كما تجسد في قرارات حظر الحجاب في المؤسسات التعليمية في دولة أذربيجان وغيرها من البلدان التي اتخذت من مفهوم العلمانية الصلبة ذريعة لتقييد الحريات الشخصية للآخرين.
أمام هذه المفارقة الصارخة، يفرض السؤال نفسه وبقوة:
لماذا تصمت الأبواق الحقوقية وتتوارى الأصوات التي ترفع شعارات الحرية عندما يكون الخيار حريةً ممارسة للتدين المسلم؟
وكيف تُمارس انتقائية الحريات في عصر الشعارات البرّاقة؟
ولو ألقينا نظرة إلى العلمانية لوجدناها تُعرَّف في أدبياتها الفلسفية الأولى بأنها إطار للدولة يضمن الحياد تجاه الأديان، ويكفل للأفراد حرية الاعتقاد والممارسة دون إكراه أو تمييز. لكن التطبيق السياسي والتاريخي في العديد من النماذج تحوّل من العلمانية المحايدة (Soft Secularism) إلى العلمانية الشمولية أو القسرية (Aggressive Secularism).
وفي تجربة حظر الحجاب بالمدارس والجامعات الأذربيجانية، أُعيد استخدام المنطق نفسه الذي أُسست عليه سياسات فرنسية وأوروبية سابقة: بوصف مظاهر التدين تهديدًا للنموذج العلماني.
وهنا تكمن المفارقة الفلسفية: كيف يُمكن للحرية أن تحمي حق الفرد في تجريد جسده من اللباس، وترفض في الوقت نفسه حقه في التغطية والاحتشام بناءً على قناعته الذاتية؟
إن تحويل الزي الديني إلى جريمة تمس مدنية الدولة هو مصادرة صريحة لحرية الاختيار، وتقزيم لمفهوم العلمانية من فضاء يستوعب التنوع إلى أيديولوجيا قسرية تُفرغ الحريات من مضمونها.
تتجلى أزمة المنظومة الحقوقية الغربية والمنظمات التابعة لها في تباين الاستجابة وحجم التضامن الإعلامي والحقوقي تبعًا لطبيعة الضحية والهوية المعتدى عليها. تُجيّش المنظمات الدولية والأممية كافة أدواتها القانونية والإعلامية لدعم أنماط معينة من حريات السلوك، وتعد أي مساس بها انتهاكًا صارخًا للكرامة الإنسانية، وتُسلط العقوبات والضغوط السياسية على الدول المخالفة.
وعندما تُحرم الطالبة المسلمة من حقها في التعليم بسبب تمسكها بالزي الديني، أو تُجبر على الاختيار بين عقيدتها وحقها الإنساني الأصيل في المعرفة، نجد هدوءًا مخيفًا وبيانات باهتة تُمرر القضية بشعارات فضفاضة من قبيل احترام القوانين المحلية.
إن هذا التباين يتجاوز التقصير الإداري؛ وإنه يعكس استعمارًا فكريًا جديدًا يحدد ما يُسمح بالمطالبة به وما هو خارج نطاق الحريات المعتمدة. تُمنح المجموعات المختلفة غطاءً حقوقيًا مطلقًا، بينما يُعامل تدين المسلمة كنوع من الرجعية أو الرمز السياسي الذي يجوز قمعُه واستثناؤه من المنظومة الحقوقية.
وبطبيعة الحال، لا يمكن فصل غياب المؤسسات الدولية والمنظمات العالمية عن الخارطة الجيوسياسية وموازين القوى الدولية. لقد أصبحت ملفات حقوق الإنسان والأطفال والمرأة تُوظف في كثير من الأحيان كأدوات ضغط سياسي تُستخدم ضد دول بعينها وتُحجب عن دول أخرى بحسب المصالح والتحالفات. ومن زاوية أخرى، المنظومة الحقوقية السائدة لا تزال تقرأ الحرية من منظور غربي أحادي؛ فالمرأة تُعد حرة فقط إذا سارت وفق النمط الحداثوي الغربي، أما إذا اختارت الالتزام الديني، فإن اختياراتها تُوصم فوريًا بالخضوع والوصاية، وتتجاهل النسوية الغربية الإرادة الذاتية للمرأة المسلمة. وتكشف هذه المواقف أن المؤسسات الأممية ليست هيئات محايدة تمامًا، ولكن يخضع خطابها لموازين النفوذ، مما يسقط الهالة الأخلاقية التي تحيط بها ويجعل شعاراتها موضع شك دائم لدى الشعوب المتضررة.
إن التمادي في استخدام الشعارات البراقة مع التغاضي عن مظالم الشعوب والمساس بهويتها المقررة يؤدي إلى نتيجتين حتميتين: ففي الأولى، يفقد الخطاب الحقوقي العالمي مصداقيته لدى الملايين حول العالم، إذ يرى الناس بوضوح كيف تُفصل الحريات على مقاسات أيديولوجية وسياسية ضيقة. والأخرى، ففي هذا التناقض الصارخ يخلق حالة من الوعي الجمعي واليقين بأن البحث عن الكرامة والحقوق لا يكون بالارتهان لمنظومات تُكيل بمكيالين، وإنما بالتمسك بالقيم الذاتية، وبناء أطر حقوقية وفكرية قادرة على حماية الإنسان وحقوقه الحقيقية بعيدًا عن الاستغلال والتسخير.
وبما لا يدع مجالا للشك، إن المنظومة التي تكفل الحرية للجميع وتستثني المسلم أو تتجاهل حقوقه الدينية هي منظومة تعاني من خلل بنيوي وأخلاقي. ولأن استمرت هذه الأكاذيب والتغطيات الأيديولوجية لبعض الوقت، فإن استمرارها ليس مؤبدًا؛ إذ إن التاريخ يؤكد دائمًا أن ازدواجية المعايير هي أولى خطوات انهيار النموذج الحضاري والفطري الذي لا يستند إلى العدل المطلق وحماية الكرامة الإنسانية بغير تمييز.