رهانات الحياة في حانة بريطانية بقلم مظهر محمد صالح
لم يمنحني شتاء بريطانيا متّسعًا من الوقت لأتأمل حياة المجتمع البريطاني، أو لأتعرّف عن كثب إلى نبضه الإنساني وتفاصيله اليومية. فقد كنت موزّعًا بين مطرقة الدراسة وسندان الوقت، ألاحق ساعات العمر كما يلاحق الطالب حلمًا يعرف أن الطريق إليه لا يُعبَّد بالأمنيات وحدها.
لكنني، في مساء أحدٍ هادئ، وجدت فسحةً أهرب فيها من صرامة الجدول الدراسي وضجيج الالتزامات. كان سكون عطلة نهاية الأسبوع قد أرخى ظلاله على المدينة التي تحتضن جامعتي، فخرجت أبحث عن وجه آخر للحياة البريطانية؛ وجه لا تصنعه قاعات المحاضرات، ولا تختصره الكتب.
قادني الطريق إلى حانة بريطانية تقليدية، أو ما يُعرف بالـ Pub، وهي مؤسسة اجتماعية عريقة تعود جذورها إلى قرون مضت، وقد ازدهرت الحانات بصورتها المعروفة في العصر الفيكتوري. هناك، لا يقتصر المكان على تقديم المشروبات والطعام، بل يتحول إلى ملتقى اجتماعي تتقاطع فيه الحكايات، وتتجاور فيه المهن والأفكار والأحلام، ويجد الناس في أحاديثهم بعضًا من دفء الألفة في مواجهة برد الحياة.
اخترت مقعدي بهدوء، وما هي إلا لحظات حتى جلس أمامي شاب بريطاني أنيق الملبس، بادرني بابتسامة قائلاً:
— سيدي، أعرفك. أراك كثيرًا في شارع ترفر.
نظرت إليه متعجبًا وسألته:
— وكيف عرفتني؟
أجابني ببساطة، كأن الأمر لا يستحق كل هذا الاستغراب:
— أنا الذي أجمع النفايات من أمام الحاويات المنزلية أسبوعيًا. نتبادل التحية كلما مررتَ في طريقك إلى الجامعة.
أدهشتني عفوية الرجل؛ فقد اختصر المسافة بيننا بابتسامة وذاكرة صغيرة صنعتها تحية عابرة. تبادلنا الحديث، وأخبرني عن سعادته بعمله، ثم مضى يتحدث عن فتاة يعرفها في مدينة قريبة، وعن نيته الزواج منها.
كان يتحدث عن حياته بطمأنينة لافتة؛ لا يتبرأ من مهنته، ولا يتعامل معها بوصفها عبئًا ينتقص من قدره، بل يراها جزءًا من حياة يسعى إلى أن يبني فيها بيتًا وأسرة ومستقبلًا.
وأنا أستمع إليه، خطر لي أن قيمة الإنسان لا تكمن دائمًا في موقعه على سلّم المهن، بل في قدرته على أن يجد في عمله معنى، وفي حياته أفقًا، وفي الغد وعدًا يستحق الانتظار.
وبينما كنا نتبادل الحديث، انضم إلينا شاب آخر، بدا عليه التدين والانشغال بأسئلة الوجود والمصير. أخذ يتحدث عن الحياة بعد الموت، مستشهدًا بقصص الموتى وأحوالهم، حتى بدا لي أن الموت قد استأثر من حديثه بما لم تتركه الحياة لنفسها.
استوقفني الأمر، فسألته بدافع الفضول:
— هل تعمل في إحدى دور العبادة؟
أجابني:
— كلا، أنا حفّار قبور في مقبرة.
ثم استطرد، وكأنه يشرح لي سرًّا من أسرار حياته:
— أجد راحتي في أن آتي إلى هذه الحانة كل أسبوع، لأبتعد قليلًا عن أجواء المقبرة، وأستعيد هدوئي بين الناس.
ابتسمنا جميعًا. كان الرجل يقضي أيامه في حفر مواضع الرحيل، لكنه يأتي إلى الحانة بحثًا عن فسحة للحياة. يا للمفارقة! من يلازم الموت في مهنته يخرج في يوم عطلته بحثًا عن الأنس، وكأن الإنسان، مهما اقترب من النهاية، يظل محتاجًا إلى ما يذكّره بأنه ما زال حيًّا.
وهكذا وجدنا أنفسنا، من دون ترتيب مسبق، نحفر في تلك الحانة البريطانية، لا في التراب، بل في أسئلة الوجود ومعنى الحياة؛ وكان لكل منا معوله الخاص: عامل النظافة يحمل معول الكدح، وحفّار القبور يحمل معول التأمل، أما أنا فكنت أحمل معول السؤال.
ولم نكن نعلم أن فضولًا مماثلًا كان يدفع رجلين يجلسان بالقرب منا إلى الانضمام إلى الحديث. اقتربا وقدّما نفسيهما، وأخبراني بأنهما قدِما من مدينة برمنغهام بحثًا عن عمل، لكنهما لم يوفّقا في العثور على فرصة تناسب مهنتهما في صباغة الجدران.
سألتهما:
— وماذا تنويان أن تفعلا الآن؟
أجاب أحدهما بهدوء لم أكن أتوقعه من رجلين ضاقت أمامهما فرص العمل:
— اكتشفنا أن هناك سباقًا للخيول، ونأمل أن يوفّقنا الرهان على حصان فائز. إذا نجحنا، فقد نحصل على مبلغ يكفينا للعيش بضعة أشهر، وربما أكثر. نعتقد أن فرصتنا في الفوز هذه المرة كبيرة، وهي آخر محاولة لنا قبل العودة إلى برمنغهام.
تأملت كلامهما ثم سألتهما:
— وكيف تأكد لكما أن حصانًا بعينه سيفوز؟ أليست المراهنة احتمالًا يحتمل الربح والخسارة؟
أجاب أحدهما بأن شخصًا ما تعاطف معهما، وأخبرهما بما يعتقد أنه سرّ الحصان الأوفر حظًا في الجولات المقبلة. لم يكن في كلامه ما يثبت أن الفوز مضمون، لكن الرجلين تعلّقا بتلك المعلومة كما يتعلّق الغريق بخشبة تطفو على الماء.
ابتسمت في داخلي، وقلت لنفسي: ما أغرب وجوه العطاء! قد تكون الصدقة رغيف خبز، أو مبلغًا من المال، أو فرصة عمل، وقد تصبح، حين تضيق السبل، معلومةً يعلّق عليها المرء أمله في النجاة.
لقد تحولت المعلومة في نظر الرجلين إلى صدقة؛ لا لأنها تضمن لهما الربح، بل لأنها أعادت إليهما، ولو مؤقتًا، الشعور بأن ثمة بابًا لم يُغلق بعد.
غير أنني أدركت، وأنا أراقب حماستهما، أن الأمل شيء، وضمان الفوز شيء آخر؛ فالحاجة قد تجعل الاحتمال يبدو يقينًا، وقد تدفع الإنسان إلى أن يراهن على المصادفة حين يعجز عن العثور على فرصة يستند إليها.
في تلك الأمسية، اجتمعت أمامي ثلاث صور من الطبقة العاملة البريطانية: عامل نظافة يجد في مهنته طريقًا إلى الاستقرار وتكوين الأسرة؛ وحفّار قبور يجاور الموت في عمله، لكنه يلتمس الحياة في صحبة الآخرين؛ ورجلان عاطلان عن العمل، يحاولان انتزاع فرصة من سباق خيول، بعدما خذلتهما سوق العمل.
لم تكن الحانة، بالنسبة إليّ، مجرد مكان عابر في مساء أحد، بل غدت مسرحًا صغيرًا للحياة، تتجاور فيه الطمأنينة والقلق، والعمل والبطالة، والرضا والمغامرة، وتنكشف فيه وجوه من الكرامة الإنسانية لا تقيسها الشهادات ولا المناصب.
غادرت المكان، وقد بقيت تلك الوجوه ترافقني في الطريق. كان لكل واحد منهم رهانه الخاص على المستقبل: أحدهم يراهن على عمله، والثاني يستمد سكينته من تأمله في الحياة والموت، والآخران يراهنان على حصان قد يفوز وقد يخسر.
أما أنا، فقد كان لي رهان واحد لا أملك أن أضعه على طاولة للمقامرة، ولا أن أستعين فيه بسرّ حصان أو بصدقة عابر سبيل.
كان رهاني أن أنجح في دراستي، وأن أعود بشهادة الدكتوراه التي جئت من أجلها، وأن أفتح بها بابًا أوسع للمعرفة والعمل وخدمة بلدي.
خرجت من الحانة وأنا أفكر في أن الإنسان، على اختلاف مهنته وموقعه وظروفه، لا يكفّ عن المراهنة على الغد. لكن الفارق كبير بين من يراهن على المصادفة، ومن يراهن على السعي والصبر والمعرفة.
وفي تلك الليلة البريطانية الباردة، أدركت أن رهان الحياة لا يكمن في أن نعرف الحصان الذي سيفوز، بل في أن نعرف الطريق الذي يستحق أن نمضي فيه، وأن نواصل السير حتى النهاية.
كان أولئك الرجال يبحثون عن نصيبهم من الحياة، وكنت أبحث عن نصيبي من المعرفة. وبين رهاناتهم ورهاني، تعلّمت أن لكل إنسان سباقه الخاص، وأن الفوز الحقيقي ليس أن تسبق الآخرين بالضرورة، بل أن تبلغ الغاية التي خرجت من أجلها.