208 تريليونات.. من صنع ديون العراق؟ الأرقام تكشف براءة حكومة السوداني من إرث الديون المتراكمة عبر الحكومات السابقة

208 تريليونات.. من صنع ديون العراق؟ الأرقام تكشف براءة حكومة السوداني من إرث الديون المتراكمة عبر الحكومات السابقة

حقائق الإخبارية/ تقرير خاص
بين تراكم الالتزامات المالية والاقتراض الجديد.. الأرقام الرسمية تكشف جذور الدين العراقي وتضع روايات تحميل حكومة السوداني كامل المسؤولية أمام اختبار الحقائق.

لم تعد الديون العراقية مجرد ملف اقتصادي يرتبط بالموازنات العامة وحسابات العجز والاقتراض، بل تحولت إلى مادة حاضرة في السجال السياسي، مع تصاعد محاولات ربط حجم الدين العام بحكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وتقديم أرقام تصل إلى 208 تريليونات دينار على أنها حصيلة ما ترتب خلال فترة حكومته، في مشهد يتجاهل حقيقة أن الديون العامة لا تنشأ في ولاية واحدة، ولا تختفي بانتهاء ولاية أخرى، بل تتراكم عبر سنوات من السياسات المالية والقرارات الحكومية المتعاقبة.

في أن العودة إلى البيانات الرسمية تكشف صورة مختلفة وأكثر تفصيلاً؛ فالدين العراقي يحمل في تركيبته التزامات متوارثة من حكومات سابقة، إلى جانب اقتراض جديد جرى خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن مبالغ سددتها الدولة لتقليص أعباء مالية سابقة.

ومن هنا، فإن اختزال هذا الملف وتحميل حكومة واحدة كامل المسؤولية لا يقدم قراءة اقتصادية مكتملة، بقدر ما يتجاهل التسلسل التاريخي لتراكم المديونية.

70.5 تريليون دينار.. إرث مالي تسلمته حكومة السوداني

تقدم بيانات وزارة المالية المنشورة في الثامن من أيار 2026 دليلاً رقمياً مهماً على حجم الالتزامات التي سبقت حكومة السوداني؛ إذ بلغ رصيد الدين الداخلي المتراكم خلال الفترة من 2004 إلى 2022 نحو 70.505 تريليون دينار، وهو ما يعني أن الحكومة لم تبدأ إدارتها للملف المالي من نقطة الصفر، بل تسلمت رصيداً كبيراً من الديون المتراكمة عبر حكومات متعاقبة.

وهذه الحقيقة تضع مسؤولية إدارة الدين العراقي في سياقها التاريخي، وتؤكد أن جذور الأزمة المالية لا يمكن اختزالها في سنوات حكومة واحدة، خصوصاً أن العراق مر خلال تلك المدة بظروف اقتصادية وسياسية وأمنية استثنائية، فضلاً عن تحديات الحروب والأزمات النفطية وتذبذب الإيرادات العامة وتضخم النفقات التشغيلية.

46 تريليوناً اقتراضاً.. و19.9 تريليوناً سداداً

وفي المقابل، لا تخفي البيانات الرسمية حجم الاقتراض الذي جرى خلال فترة الحكومة، إذ بلغ إجمالي الاقتراض الداخلي من عام 2023 وحتى نهاية نيسان 2026 نحو 46.035 تريليون دينار، بحسب تقرير دائرة الدين العام في وزارة المالية.

لكن قراءة الرقم بمعزل عن بقية التفاصيل تظل قراءة منقوصة؛ فالبيانات ذاتها تشير إلى أن وزارة المالية سددت خلال المدة نفسها نحو 19.910 تريليون دينار، ما يعكس ضرورة احتساب المبالغ المسددة عند تحليل تطور رصيد الدين، بدلاً من التعامل مع إجمالي الاقتراض وكأنه زيادة صافية في المديونية.

وباحتساب هذه الأرقام، يظهر أن رصيد الدين الداخلي انتقل من 70.505 تريليون دينار من الالتزامات المتراكمة حتى نهاية 2022 إلى نحو 96.6 تريليون دينار في نهاية نيسان 2026، بعد احتساب الاقتراض والتسديد.

وهنا تبرز نقطة جوهرية: لا يجوز مساواة إجمالي الاقتراض برصيد الدين النهائي، كما لا يجوز اعتبار جميع الديون القائمة مسؤولية الحكومة التي انتهت إليها، من دون العودة إلى تاريخ نشأة كل التزام ومقدار ما سدد منه.

الديون الخارجية.. التزامات قديمة وسداد مستمر

ولم يتوقف الأمر عند الديون الداخلية، إذ تكشف بيانات وزارة المالية عن جانب آخر يتعلق بالالتزامات الخارجية، حيث بلغ رصيد الدين الخارجي الحالي نحو 10.076 مليارات دولار حتى نهاية نيسان 2026.

وفي هذا السياق، سددت وزارة المالية نحو 2.166 مليار دولار من القروض الخارجية الموروثة عن حكومات سابقة خلال الفترة الممتدة من 2023 وحتى نيسان 2026، فيما انخفض رصيد الديون القديمة العائدة إلى ما قبل عام 2003 إلى نحو 2.963 مليار دولار.

وتؤكد هذه المؤشرات أن ملف الدين الخارجي بدوره يحمل امتدادات تاريخية تتجاوز عمر أي حكومة، وأن جزءاً من الجهد المالي خلال السنوات الأخيرة انصب على تسوية التزامات سابقة، الأمر الذي ينبغي أن يكون حاضراً عند تقييم الأداء المالي لأي حكومة.

من أين جاء رقم 208 تريليونات؟

إن تداول رقم 208 تريليونات دينار باعتباره ديناً أنتجته حكومة السوداني يطرح سؤالاً أساسياً عن منهجية احتسابه ومكوناته وتاريخه.

فهل يتعلق الأمر بالدين الداخلي وحده، أم بالدين الداخلي والخارجي بعد تحويل العملات؟ وهل يتضمن التزامات أخرى أو مبالغ مخططة للاقتراض لم تتحول إلى ديون فعلية؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً محاسبياً، بل تمثل أساساً لأي نقاش جاد حول المديونية العراقية؛ إذ لا يمكن مقارنة أرقام مختلفة في تاريخ الاحتساب أو في طبيعة الالتزامات، ثم تقديمها للرأي العام على أنها دليل قاطع على مسؤولية حكومة بعينها.

وفي هذا الإطار، سبق للبنك المركزي العراقي أن أوضح في بيانه الصادر في 19 تشرين الأول 2025 أن الدين الداخلي البالغ آنذاك 91 تريليون دينار تضمن 56 تريليون دينار متراكمة حتى نهاية عام 2022، فيما بلغت الإضافات خلال الأعوام 2023 و2024 و2025 نحو 35 تريليون دينار، مشيراً كذلك إلى أن العجز الفعلي خلال السنوات الثلاث بلغ 35 تريليوناً، مقابل عجز مخطط بلغ 191.5 تريليون دينار.

وهذا التفريق بين المخطط والفعلي، وبين الدين الموروث والدين المستحدث، يكشف أهمية الاحتكام إلى البيانات المالية التفصيلية بدلاً من الاكتفاء بالأرقام المجتزأة.

المسؤولية لا تسقط عن حكومة.. ولا تبدأ مع حكومة

إن قراءة تاريخ المديونية العراقية تفرض حقيقة لا يمكن تجاوزها، وهي أن الدين العام مسؤولية مؤسسات الدولة والحكومات التي أدارتها تباعاً، فكل حكومة تسلمت التزامات سابقة، واتخذت بدورها قرارات مالية أضافت أو خفضت من حجم تلك الالتزامات.

ومن ثم، فإن تحميل السوداني وحده مسؤولية ملف يمتد إلى سنوات طويلة يطرح إشكالية في قراءة التاريخ المالي للدولة، مثلما أن الاستناد إلى الديون الموروثة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإعفاء حكومته أو غيرها من مساءلة الاقتراض الذي جرى خلال فترة إدارتها.

فالمعيار الحقيقي للمحاسبة هو معرفة حجم الدين الذي تسلمته كل حكومة، وما أضافته إليه، وما سددته منه، وكيف استخدمت الأموال المقترضة، وما النتائج الاقتصادية والخدمية التي تحققت مقابلها.

كما أن استمرار اعتماد العراق على الإيرادات النفطية، واتساع النفقات التشغيلية، والحاجة إلى تمويل المشاريع والخدمات، كلها ملفات تتطلب إصلاحاً مالياً يتجاوز المعالجات المؤقتة، ويضع أساساً أكثر استدامة لإدارة موارد الدولة.

الخلاصة : إن ديون العراق ليست حكاية بدأت مع محمد شياع السوداني، ولا يمكن وضعها في خانة مسؤولية حكومة واحدة، بل هي حصيلة مسار مالي طويل شاركت في تشكيله حكومات متعاقبة، ولكل منها نصيبها من القرارات والالتزامات والنتائج.

أما الأرقام الرسمية فتقدم صورة واضحة عن حجم الدين الموروث، والاقتراض الجديد، والمبالغ التي جرى تسديدها، وتؤكد أن الحكم على أي تجربة حكومية يجب أن يستند إلى حسابات دقيقة لا إلى أرقام تُنتزع من سياقها.

فالعراقيون لا يحتاجون إلى تبادل الاتهامات بقدر حاجتهم إلى معرفة الحقيقة كاملة: من اقترض؟ وكم اقترض؟ وأين ذهبت الأموال؟ ومن سدد؟ ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي راكمت هذه الالتزامات؟

فالديون تُسجّل على الدولة، لكن المسؤولية السياسية والمالية تتوزع على الحكومات التي أدارتها.. ولا يمكن اختصار تاريخ بلد مالي كامل في اسم رئيس وزراء واحد.