لماذا لم أصبح ناصرياً أو بعثياً أو شيوعياً؟ (٢) بقلم محمد عبد الجبار الشبوط
من مذكراتي الفكرية والسياسية: رحلة ستين عاماً من الإسلام السياسي إلى الفلسفة الحضارية
رابعاً: لماذا لم أصبح شيوعياً رغم محبتي لماركس ولينين وستالين؟
هنا أصل إلى جانب آخر من تكويني المبكر، قد يبدو للوهلة الأولى متناقضاً مع اختياري الإسلامي، لكنه يكشف عند التأمل عن طبيعة علاقتي بالأفكار والانتماءات السياسية.
فقد كنت أحب كارل ماركس وفلاديمير لينين وجوزيف ستالين وكاسترو وجيفارا، وكانت لديّ بصورة عامة مشاعر إيجابية تجاه الشيوعيين. وكان أحد أعمامي شيوعياً منتظماً، كما كانت تربطني علاقات صداقة ومودة بشباب شيوعيين.
ومع ذلك، لم يخطر في ذهني بصورة جدية أن أصبح ماركسياً أو أن أنتمي إلى الحزب الشيوعي العراقي.
ولم أكن أشعر في ذلك الوقت بأن هذا الموقف يحتاج إلى تفسير، لأنني لم أكن أرى تناقضاً ضرورياً بين محبتي لشخصيات سياسية أو فكرية وبين عدم تبني المذهب الذي تنتمي إليه.
أما اليوم، فإنني أجد في هذه الظاهرة مدخلاً مهماً لفهم العلاقة بين الإعجاب الإنساني والاقتناع الفكري والانتماء التنظيمي.
فقد يحب الإنسان شخصية تاريخية لما يرتبط بها في وعيه من أفكار عن الثورة أو العدالة أو تغيير المجتمع، دون أن يكون مقتنعاً بجميع آرائها الفلسفية والسياسية. وقد يحترم أصدقاءه المنتمين إلى حزب معين دون أن يشعر بأن ذلك الحزب يعبر عن هويته أو يقدم الإجابات التي يبحث عنها.
وكانت الشيوعية حاضرة في محيطي الاجتماعي بصورة مباشرة، لا بوصفها فكرة مجردة أقرأ عنها في الكتب فحسب. فوجود عم شيوعي منتظم وأصدقاء شيوعيين جعلني أتعرف إلى أصحاب هذا الاتجاه من خلال العلاقات الإنسانية اليومية، وليس فقط من خلال السجالات الفكرية بين الإسلاميين والماركسيين.
وهذا أمر مهم، لأن العلاقة المباشرة بالأشخاص قد تمنع أحياناً تحول الاختلاف الفكري إلى صورة نمطية سلبية عنهم. فقد كنت أستطيع أن أحب أصدقائي الشيوعيين وأحترمهم، رغم أنني لم أكن أشعر بأن الماركسية تمثل الطريق الذي أريد اختياره.
واللافت أنني كنت قد قرأت كتابَي «فلسفتنا» و«اقتصادنا» لمحمد باقر الصدر بين عامي 1965 و1966، وهما كتابان تضمنا نقداً فلسفياً واقتصادياً واسعاً للماركسية. ومع ذلك، لم يتحول اطلاعي على هذا النقد إلى كراهية لماركس أو لينين أو ستالين، ولا إلى عداء شخصي للشيوعيين الذين عرفتهم.
وأرى اليوم أن في هذا الموقف تمييزاً مبكراً، ولو بصورة تلقائية وغير منظّرة، بين نقد الفكرة والحكم على الإنسان الذي يتبناها.
ولا يعني تسجيلي لمحبتي المبكرة لستالين أنني أتبنى اليوم حكماً إيجابياً على جميع سياساته أو ممارسات حكمه، وإنما أصف حقيقة نفسية وتاريخية تتعلق بصورة تلك الشخصية في وعيي الشاب، وهي صورة لم تكن بالضرورة قائمة على معرفة تفصيلية بتاريخ الاتحاد السوفيتي وما شهده من قمع وصراعات.
أما السؤال الأهم فهو: لماذا لم تتحول هذه المودة إلى انتماء شيوعي؟
أعتقد أن السبب الأساسي يعود إلى أن الماركسية، رغم حضورها في محيطي الاجتماعي، لم تكن منسجمة مع التكوين الديني والفكري الذي بدأت شخصيتي تتشكل داخله. فقد كنت أرى نفسي مسلماً، وكانت الأسئلة الدينية والأخلاقية والوجودية تحتل مكاناً مهماً في وعيي، بينما كانت الماركسية تقدم تفسيراً فلسفياً مادياً للعالم والتاريخ والمجتمع.
ولا أريد أن أدعي أنني أجريت آنذاك مقارنة فلسفية مكتملة بين المادية الجدلية والفلسفة الإسلامية، ثم انتهيت إلى رفض الأولى وتبني الثانية. فقد كنت شاباً في مرحلة التكوين، وكانت معرفتي بالفلسفة ما تزال محدودة. لكنني وجدت في الفكر الإسلامي، ولا سيما في أعمال محمد باقر الصدر، ما ينسجم مع ميولي السابقة ويمنحها مضموناً عقلياً واجتماعياً.
وربما كان اهتمامي المبكر بالعدالة الاجتماعية والتخلف والنهضة يجعلني أتعاطف مع بعض الأهداف التي أعلنت الحركات الشيوعية السعي إليها، دون أن أشعر بحاجة إلى تبني أسسها الفلسفية أو الانتماء إلى تنظيماتها. غير أنني أتعامل مع هذا التفسير بوصفه احتمالاً يستحق التأمل، لا حقيقة مؤكدة عن دوافع لم أكن قد صغتها بوضوح في ذلك الوقت.
ومن المفارقات التي أراها اليوم أن علاقتي الفكرية بكارل ماركس لم تنته بعدم اختياري الشيوعية، بل استمرت في صورة اهتمام نقدي بأعماله وتحليلاته للرأسمالية والصراع الاجتماعي والتاريخ. وأرى أن دراسة ماركس ضرورة لفهم جانب مهم من الفكر الحديث، دون أن يعني ذلك تبني الماركسية بوصفها أيديولوجيا شاملة.
وهكذا فإن عدم انتمائي إلى الشيوعية لم يكن نتيجة كراهية للشيوعيين، كما أن عدم انتمائي إلى الناصرية لم يكن نتيجة كراهية لجمال عبد الناصر. لقد كان اختياري الإسلامي اختياراً إيجابياً في جوهره، نشأ من الانجذاب إلى مشروع معين، أكثر مما نشأ من العداء للمشاريع الأخرى.
خامساً: محمد باقر الصدر واللحظة الفكرية الحاسمة
إذا أردت أن أحدد أحد أهم العوامل التي جعلت الإسلام السياسي أكثر جاذبية لي من الناصرية والبعثية والشيوعية، فإنني أجد هذا العامل في قراءتي المبكرة لأعمال السيد محمد باقر الصدر.
وكما قلت كنت قرأت كتابيه «فلسفتنا» و«اقتصادنا» بين عامي 1965 و1966، أي قبل دخولي الجامعة عام 1967، وفي الفترة التي تبلور فيها اختياري السياسي بالانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية.
وكان «فلسفتنا»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1959، يقدم محاولة فلسفية لمناقشة المذاهب الفكرية الكبرى، ولا سيما المادية والماركسية، وتأسيس موقف فلسفي إسلامي في مسائل المعرفة والوجود.
أما «اقتصادنا»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1961، فقد تناول المذاهب الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية والماركسية، ثم قدم تصوراً للاقتصاد الإسلامي من خلال بحث الملكية والتوزيع ودور الدولة والعلاقات الاقتصادية.
وكانت أهمية الكتابين بالنسبة إليّ أنهما قدما الإسلام بلغة فكرية تتجاوز حدود الوعظ الديني التقليدي، وتدخل إلى مجالات الفلسفة والاقتصاد والاجتماع، وتتعامل مع أسئلة العالم الحديث بوصفها أسئلة يستطيع الفكر الإسلامي أن يسهم في الإجابة عنها.
ولا أزعم أنني كنت قد استوعبت في تلك السن جميع المناقشات الفلسفية والاقتصادية التي تضمنها الكتابان، فقد كنت في مرحلة مبكرة من التكوين، ولم تكن معرفتي تسمح لي بالإحاطة بكل تفاصيلهما. لكنني كنت قادراً على إدراك الاتجاه العام للمشروع الذي يقدمه الصدر، وهو أن الإسلام ليس مجرد مجموعة من العقائد والعبادات، وإنما يمكن أن يكون أساساً لتفكير شامل في الإنسان والمجتمع والاقتصاد والدولة.
ومن الناحية النفسية، أرى أن تأثير هذين الكتابين كان مرتبطاً بالتقاء عاملين: الاستعداد الديني السابق، والحاجة إلى سند فكري وعقلي لهذا الاستعداد.
فقد كانت ميولي الإسلامية موجودة قبل القراءة، لكن أعمال الصدر ساعدتني على الانتقال من الانتماء الديني بوصفه شعوراً وجدانياً إلى التعامل مع الإسلام بوصفه مشروعاً فكرياً واجتماعياً قابلاً للدراسة والدفاع والمناقشة.
وهذا التفاعل بين الاستعداد النفسي والمؤثر الفكري يفسر، في تقديري، جانباً مهماً من اختياري عام 1966.
فلم أكن أبحث عن أي مشروع سياسي بصورة مجردة، وإنما كنت أكثر استعداداً للانجذاب إلى المشروع الذي يمنح هويتي الدينية مضموناً فكرياً واجتماعياً، ويقدم لي تصوراً عن إمكان تغيير الواقع.
وقد وجدت في محمد باقر الصدر ما يستجيب لهذه الحاجة.
سادساً: التخلف والنهضة الحضارية في فكر الصدر
ثمة جانب في فكر السيد محمد باقر الصدر يستحق اهتماماً خاصاً عند محاولة فهم طبيعة المشروع الإسلامي الذي انجذبت إليه في شبابي، وهو أن الصدر لم يكن منشغلاً بالدفاع عن الإسلام في مواجهة المذاهب الفكرية المعاصرة فحسب، وإنما كان معنياً أيضاً بالسؤال عن أسباب تخلف الأمة الإسلامية والشروط اللازمة لنهوضها. وقد ظهر هذا الاهتمام في مرحلة مبكرة من نشاطه الفكري، قبل أن تتبلور تجربتي السياسية، وهو ما تكشف عنه بصورة واضحة مقالته «الشرط الأساسي لنهضة الأمة»، المنشورة لأول مرة في مجلة «الأضواء» النجفية بتاريخ 9 حزيران 1960.
تبدأ المقالة بتقرير أن الشرط الأساسي لنهضة أي أمة هو امتلاك «المبدأ الصالح» الذي يحدد أهدافها وغاياتها ومثلها العليا ويرسم اتجاهها في الحياة. غير أن الصدر لا يكتفي بمجرد وجود المبدأ، بل يحدد ثلاثة عناصر متكاملة لفاعليته التاريخية: وجود المبدأ الصحيح، وفهم الأمة له، وإيمانها به. وهو تمييز مهم، لأنه يفصل بين امتلاك المجتمع لمنظومة عقائدية أو قيمية وبين امتلاكه الوعي الذي يجعله قادراً على الاسترشاد بها في تنظيم حياته وتوجيه حركته.
وعندما ينتقل الصدر إلى تطبيق هذه الفكرة على الأمة الإسلامية، يرى أن المشكلة لا تكمن في غياب المبدأ، لأن الإسلام موجود، ولا في انعدام الإيمان به، لأن المسلمين ما زالوا مؤمنين بدينهم، وإنما في ضعف الفهم العام والشامل للإسلام بوصفه مبدأً للحياة. ولهذا ينتهي إلى أن استكمال هذا الفهم يمثل ضرورة للنهوض. وبذلك تصبح أزمة الأمة، في تشخيصه، أزمة وعي بالمبدأ قبل أن تكون أزمة افتقار إلى المبدأ نفسه.
وتكشف هذه الأطروحة عن طبيعة المشروع الفكري الذي كان الصدر يعمل على بنائه في تلك المرحلة. فهو لم يكن يريد أن يقدم الإسلام بوصفه تراثاً دينياً ينبغي المحافظة عليه فحسب، وإنما بوصفه قوة فكرية واجتماعية تستطيع الإسهام في تغيير الواقع التاريخي. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين هذه المقالة ومؤلفاته الفلسفية والاقتصادية؛ إذ يجمع بينها الاهتمام بإظهار قدرة الفكر الإسلامي على التعامل مع قضايا الإنسان والمجتمع، وإن اختلفت موضوعاتها ومناهجها.
ولا أستطيع أن أجزم بأنني قرأت هذه المقالة بالذات قبل انتمائي إلى حزب الدعوة الإسلامية عام 1966، ولذلك لا أنسب إليها تأثيراً مباشراً في اختياري. لكن المقالة تقدم دليلاً تاريخياً على أن سؤال النهضة كان حاضراً في المشروع الصدري الذي تعرفت إلى بعض معالمه من خلال مؤلفاته، وتساعدني اليوم على فهم طبيعة الجاذبية التي ربما مارسها هذا المشروع في نفسي، بما كان يطرحه من علاقة بين الإسلام والتغيير الاجتماعي والتاريخي.
ومع ذلك، فإن العودة إلى المقالة من موقع الفلسفة الحضارية تتيح لي أن أميز بين أهمية الشرط الذي حدده الصدر وحدود قدرته التفسيرية. ففهم المبدأ والإيمان به يمكن أن يساهما في تكوين الإرادة الجماعية وتوجيهها، لكنهما لا يكفيان وحدهما لتفسير نشوء القدرة الحضارية أو تحقق النهضة. فالمجتمعات تحتاج أيضاً إلى إنتاج المعرفة، وتنظيم العمل، وتطوير المؤسسات، وحسن استخدام الموارد والزمن، وبناء العلاقات التي تسمح بتحويل القيم والأهداف إلى منجزات فعلية. وقد يمتلك المجتمع عقيدة راسخة ووعياً واسعاً بها، ثم يعجز عن تحقيق التقدم بسبب اختلالات في هذه المجالات.
ولا يعني هذا أن الصدر كان ينكر أهمية تلك العوامل، أو أن مقالته القصيرة كانت تستهدف تقديم نظرية شاملة في الحضارة والتاريخ. فقد كان يعالج مشكلة محددة في سياق فكري وتاريخي معين، كما أن مشروعه الأوسع اشتمل على بحوث اقتصادية واجتماعية وتاريخية لا يجوز تجاهلها عند تقويم أفكاره. وإنما يعني أن الشرط الذي حدده، على أهميته، يحتاج إلى أن يوضع ضمن تفسير أشمل للنهضة، يربط الوعي والقيم بالقدرة الإنسانية والمعرفية والإنتاجية والمؤسسية.
وأجد في هذه المقارنة دلالة خاصة على تطور السؤال الذي رافق تجربتي الفكرية. فقد كان المشروع الصدري الذي تعرفت إليه في شبابي يفتح أمامي أفق التفكير في الإسلام بوصفه طريقاً للنهوض، أما الفلسفة الحضارية التي أعمل عليها اليوم فتسعى إلى تفسير الشروط العامة التي تجعل النهوض ممكناً في أي مجتمع، وإلى بيان كيفية تفاعل القيم والمعرفة والعمل والمؤسسات في إنتاج القدرة الحضارية أو تعطيلها. وهكذا بقي سؤال النهضة حاضراً في مساري، بينما اتسع الإطار النظري الذي أحاول الإجابة من خلاله عنه.
يتبع