لماذا لم أصبح ناصرياً أو بعثياً أو شيوعياً؟ (١) بقلم محمد عبد الجبار الشبوط

لماذا لم أصبح ناصرياً أو بعثياً أو شيوعياً؟ (١) بقلم محمد عبد الجبار الشبوط

من مذكراتي الفكرية والسياسية: رحلة ستين عاماً من الإسلام السياسي إلى الفلسفة الحضارية

تمهيد: العودة إلى الشاب الذي كنته
حين أعود بذاكرتي إلى عام 1966، وأحاول أن أستعيد صورة الشاب الذي كنته آنذاك، أجد نفسي أمام سؤال لم أطرحه على نفسي بهذه الصيغة في ذلك الوقت، ولكنه أصبح اليوم، بعد ستين عاماً، جديراً بالتأمل والتحليل: لماذا اخترت الانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية، ولم أصبح ناصرياً أو بعثياً أو شيوعياً، رغم أن هذه الاتجاهات الثلاثة كانت حاضرة بقوة في الحياة السياسية والفكرية العراقية، وكان لبعضها حضور إيجابي في محيطي الاجتماعي وعلاقاتي الشخصية؟
لا أطرح هذا السؤال من موقع الندم على الاختيار الذي اتخذته في مطلع شبابي، ولا من موقع الرغبة في تبرير ذلك الاختيار بعد كل ما شهدته من أحداث وتحولات، وإنما أطرحه بوصفه مدخلاً لفهم مساري الفكري والسياسي، وكيف انتقلت من الانتماء إلى حركة إسلامية تحمل مشروعاً أيديولوجياً لتغيير المجتمع والدولة، إلى تبني مشروع فكري أوسع هو مشروع الفلسفة الحضارية والدولة الحضارية الحديثة.

ولعل الصعوبة الأساسية في كتابة هذه الشهادة تكمن في أن الإنسان، عندما يعود إلى ماضيه بعد عقود طويلة، يكون معرضاً لإعادة تفسير اختياراته الأولى في ضوء الأفكار التي انتهى إليها لاحقاً. فقد يميل إلى الاعتقاد بأن كل خطوة اتخذها كانت تقوده بصورة حتمية إلى موقعه الحالي، وأن البدايات كانت تحتوي على النتائج التي لم تظهر إلا بعد سنوات طويلة. لكن الحياة الفكرية لا تتطور بهذه البساطة، والإنسان لا يعرف في شبابه جميع الطرق التي ستقوده إليها تجاربه.
لقد كنت في عام 1966 شاباً في طور التكوين، كغيري من الشباب في ذلك العمر، حأبحث عن معنى لحياتي وعن موقع لي في المجتمع، وأتفاعل مع الأفكار والأشخاص والكتب التي تقع في طريقي. ولم أكن أمتلك آنذاك رؤية فلسفية متكاملة للإنسان والتاريخ والمجتمع والدولة، ولم أكن قد عشت التجارب التي ستغير لاحقاً كثيراً من تصوراتـي.

ومع ذلك، فإن العودة إلى تلك المرحلة تكشف عن عناصر مهمة في تكويني النفسي والفكري، بعضها يتعلق بالهوية الدينية والوطنية، وبعضها يتعلق بالبيئة الاجتماعية والعلاقات الشخصية، وبعضها الآخر يرتبط بالقراءات المبكرة، ولا سيما أعمال السيد محمد باقر الصدر، التي كان لها أثر عميق في توجيه اهتمامي نحو الإسلام بوصفه مشروعاً فكرياً واجتماعياً وسياسياً.

وقد امتدت الرحلة التي بدأت بذلك الاختيار عبر العراق وإيران ولبنان، وعبر سنوات المعارضة والمنفى، ثم تجربة العودة إلى العراق بعد عام 2003، والعمل في مؤسسات الدولة، وصولاً إلى المشروع الحضاري الذي أعمل اليوم على تطويره.

ومن هنا فإن هذه الشهادة ليست مجرد محاولة للإجابة عن سؤال يتعلق بعدم انتمائي إلى الناصرية أو البعثية أو الشيوعية، وإنما هي محاولة لفهم الجذور النفسية والفكرية لمسار طويل من الانتماء والتجربة والمراجعة والتحول.

أولاً: العراق عام 1966 ومناخ الاختيارات السياسية
كان العراق في منتصف الستينات يعيش مرحلة شديدة الاضطراب السياسي والفكري. فقد أدت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 إلى إسقاط النظام الملكي وإعلان الجمهورية، لكنها فتحت في الوقت نفسه مرحلة من الصراع بين اتجاهات متعددة بشأن هوية الدولة العراقية ومستقبلها وعلاقاتها بالعالم العربي.
وكان الصراع بين الشيوعيين والقوميين العرب والبعثيين والإسلاميين جزءاً من صراع أوسع شهدته المنطقة العربية في مرحلة الحرب الباردة، وصعود حركات التحرر الوطني، وانتشار الأفكار الاشتراكية والقومية، ومحاولات إعادة بناء المجتمعات والدول بعد الاستعمار.

وفي العراق تعاقبت الأحداث بسرعة، من الصراع السياسي في عهد عبد الكريم قاسم إلى انقلاب الثامن من شباط عام 1963، ثم التحولات التي أعقبت إبعاد البعثيين عن السلطة في تشرين الثاني من العام نفسه، وصولاً إلى وفاة عبد السلام عارف في نيسان عام 1966 وتولي شقيقه عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية.

وكان جمال عبد الناصر في ذلك الوقت واحداً من أبرز الشخصيات السياسية في العالم العربي. فقد ارتبط اسمه بتأميم قناة السويس عام 1956، ومواجهة العدوان الثلاثي، والدعوة إلى الوحدة العربية، وتجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا من عام 1958 إلى عام 1961، فضلاً عن سياسات الإصلاح الزراعي والتصنيع وتوسيع التعليم ودور الدولة في الاقتصاد.

أما حزب البعث، فقد كان يقدم مشروعاً قومياً اشتراكياً يقوم على شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، مع اختلافات وصراعات عميقة بينه وبين الناصرية بشأن القيادة والتنظيم وطبيعة المشروع الوحدوي.

وكان الحزب الشيوعي العراقي يمثل تياراً سياسياً واجتماعياً عريقاً نسبياً، يتمتع بحضور مهم في أوساط العمال والطلبة والمثقفين وقطاعات من المجتمع، وقد تعرض أعضاؤه وأنصاره إلى موجات من القمع والصراع السياسي، ولا سيما بعد انقلاب شباط عام 1963.

وفي مقابل هذه الاتجاهات، كانت الحركة الإسلامية السياسية تتشكل بوصفها مشروعاً يسعى إلى تقديم الإسلام باعتباره أساساً لتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية، وكان حزب الدعوة الإسلامية، الذي تأسس في أواخر الخمسينات، من أبرز التعبيرات التنظيمية عن هذا الاتجاه في البيئة الشيعية العراقية.

وكانت هذه المشاريع جميعاً تقدم، بطرق مختلفة، إجابات عن أسئلة متشابهة: لماذا تخلفت مجتمعاتنا؟ وكيف يمكن تحقيق النهضة؟ وما طبيعة الدولة التي ينبغي بناؤها؟ وما موقع الأمة من الصراع العالمي بين الرأسمالية والاشتراكية؟ وما الطريق إلى الاستقلال والعدالة والتقدم؟
لكنني، في تلك السن، لم أكن أتعامل مع هذه المشاريع بوصفها بدائل متكافئة أعكف على دراستها ومقارنتها. فقد كان تكويني الشخصي يجعل بعضها أقرب إلى وجداني واهتمامي من بعضها الآخر، وكان المشروع الإسلامي هو الأقرب إليّ.

ثانياً: لماذا لم أصبح ناصرياً؟
لم أكن معارضاً لجمال عبد الناصر فكرياً أو سياسياً، ولم أكن أكرهه أو أحمل موقفاً سلبياً من شخصه. وفي الوقت نفسه، لم أكن من المعجبين به أو المتحمسين لمشروعه القومي. كان موقفي أقرب إلى الحياد، وربما كان الوصف الأدق أن جمال عبد الناصر والناصرية لم يكونا يعنيان لي شيئاً كبيراً أو ملفتاً للنظر.
وهذا أمر يستحق التأمل، لأن عبد الناصر كان في عام 1966، قبل هزيمة حزيران عام 1967، في مرحلة متقدمة من حضوره السياسي والجماهيري، وكانت خطاباته ومواقفه تثير الحماسة لدى أعداد كبيرة من الشباب العرب.

ومع ذلك، لم أشعر بأنني معني بصورة خاصة بالمشروع الناصري، ولم أفكر جدياً في الانتماء إلى حركة سياسية تتبناه.

وأذكر أن أحد أصدقائي في تلك المرحلة كان ناصرياً، ولم تكن ميوله السياسية سبباً للصدام بيننا. فقد كنت أتقبل اختياره دون أن أشعر بحاجة إلى معارضته، كما لم أكن أرى أن صداقتنا تقتضي اتفاقنا في الانتماء السياسي.

وأرى اليوم أن هذه الواقعة الصغيرة تكشف عن جانب مهم من تكويني النفسي. فقد كان ممكناً أن أعيش في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب دون أن أتعامل مع كل اختلاف فكري بوصفه خصومة شخصية. ولم يكن اختياري للإسلام السياسي قائماً على رفض الناصرية أو العداء لها، وإنما كان قائماً على انجذاب إلى مشروع آخر.

لكن لماذا لم تجذبني الناصرية رغم حضورها الواسع؟
أعتقد أن الجواب يرتبط بصورة أساسية بطبيعة هويتي في تلك المرحلة. فقد كنت أرى نفسي عراقياً مسلماً شيعياً أكثر مما كنت أرى نفسي قوميا عربياً، بالمعنى السياسي، رغم أنني أنتمي إلى تسلسل عشائري وقبائلي عربي عريق ينتهي إلى قبيلة ربيعة العربية الكبيرة.

ولم يكن ذلك إنكاراً لعروبتي أو رفضاً لها، وإنما كان تعبيراً عن ترتيب تلقائي لمكونات الهوية في وعيي. فقد كانت العروبة بالنسبة إليّ حقيقة وجودية وتاريخية وثقافية، لكنها لم تكن الفكرة المركزية التي أفسر بها العالم أو أحدد من خلالها أهدافي السياسية.

أما الإسلام فكان يحتل موقعاً أعمق في وجداني وتكويني الأخلاقي والفكري. وكنت أجد في الانتماء الإسلامي معنى يتجاوز حدود القومية، ويطرح أسئلة تتعلق بالإنسان والحياة والمجتمع والعدالة والغاية من الوجود.

ومن الناحية النفسية، يمكن التمييز بين الهوية التي يعرف الإنسان أنه ينتمي إليها، والهوية التي يشعر بأنها تعبّر عن ذاته وتمنح حياته اتجاهاً ومعنى. فقد ينتمي الإنسان إلى جماعة قومية معينة ويعتز بهذا الانتماء، دون أن يرى في القومية الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه رؤيته السياسية.

وربما كان هذا هو وضعي في مطلع شبابي. فقد كنت عربياً من حيث النسب واللغة والثقافة، لكنني لم أكن قومياً عربياً من حيث الميول السياسية والفكرية.
ولذلك لم تكن الناصرية بالنسبة إليّ مشروعاً أرفضه، وإنما مشروعاً لم أشعر بأنه يخاطب الأسئلة الأكثر حضوراً في نفسي.

ثالثاً: لماذا لم أصبح بعثياً؟
ينطبق جانب من هذا التفسير على موقفي من حزب البعث، مع ضرورة التمييز بين البعثية بوصفها أيديولوجيا سياسية، والبعثية بوصفها تجربة في السلطة عرفتها لاحقاً.
ففي عام 1966 لم أكن قد عشت بعد التجربة الطويلة مع الحكم البعثي التي بدأت عام 1968، ولم يكن موقفي من الحزب قائماً على جميع الأسباب التي ستجعلني أرفض الانتماء إليه في سنوات عملي اللاحقة.

كان السبب الأول أبسط من ذلك: لم تكن القومية العربية تستثير اهتمامي الفكري أو تمثل المحور الذي تنتظم حوله رؤيتي للحياة والمجتمع.
وكان حزب البعث يقدم نفسه بوصفه حزباً قومياً عربياً ذا رسالة تاريخية، ويربط مستقبل العراق بمشروع أوسع للوحدة العربية والتحول الاشتراكي. أما أنا، فلم أكن أشعر بأن هذا المشروع يعبر عن تطلعاتي أو يمنحني الإجابات التي أبحث عنها. كنا نتبادل بعض الاحاديث انا وخالي وابن خالتي، الذي يكبرني سنا، وكانا بعثيين معتقدين ومؤمنين بالافكار التي كانت تنسب لميشيل عفلق. ومع ذلك لم اشعر بميل نحو تلك الافكار.

لكن تجربتي مع البعثية تغيرت جذرياً بعد وصول الحزب إلى السلطة عام 1968، ولا سيما خلال سنوات عملي في التدريس بين عامي 1971 و1976.
فقد تخرجت عام 1971، وعملت مدرساً في مؤسسات الدولة، ووجدت نفسي أمام سلطة أخذت تتجه بصورة متزايدة نحو إخضاع المؤسسات العامة لمنطق الولاء الحزبي. ولم يكن الانتماء إلى حزب البعث بالنسبة إليّ خياراً مقبولاً، رغم ما كان يترتب على رفضه من صعوبات ومخاطر مهنية وشخصية.
وقد رفضت الانتماء إلى الحزب الحاكم، وشاهدت كيف يمكن أن يصبح الولاء السياسي معياراً للقبول في المؤسسات والتقدم الوظيفي، وكيف يمكن أن تتحول الدولة من مؤسسة عامة لجميع المواطنين إلى جهاز يخدم الحزب المسيطر عليها.

ولم تكن هذه التجربة نظرية بالنسبة إليّ، فقد عشت آثارها المباشرة، وعرفت زملاء تعرضوا إلى الملاحقة والعقوبات، ووصل الأمر ببعضهم إلى الإعدام.
وفي عام 1976 غادرت العراق، لتبدأ مرحلة طويلة من الغربة السياسية استمرت حتى عام 2003.

وقد تركت هذه التجربة أثراً عميقاً في فهمي للعلاقة بين الحزب والدولة والمجتمع، لكنها لم تنتج فوراً النظرية السياسية التي أتبناها اليوم. فقد كنت ما أزال في إطار الإسلام السياسي، وكانت مراجعاتي الفكرية تحتاج إلى تجارب أخرى حتى تتبلور بصورة أوسع.

ومع ذلك، فإن التجربة البعثية علمتني درساً مهماً: أن الحزب الذي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة السياسية أو التاريخية يمكن أن يتحول، عندما يحتكر السلطة، إلى قوة تسعى إلى إخضاع المجتمع كله لإرادته، وأن الدولة تفقد وظيفتها العامة عندما تصبح امتداداً لتنظيم سياسي معين.

وقد أصبح هذا الدرس لاحقاً أحد العناصر المهمة في تفكيري بشأن الدولة الحضارية الحديثة.

يتبع