الذكاء الاصطناعي والقانون: المفهوم والتكامل والتحديات القانونية بقلم د . نور الهدى عباس شهاب

الذكاء الاصطناعي والقانون: المفهوم والتكامل والتحديات القانونية بقلم د . نور الهدى عباس شهاب

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني يقتصر على الحواسيب والبرمجيات، بل أصبح أحد أبرز التحولات التي تؤثر في حياة الإنسان ومختلف المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية، ومنها المجال القانوني. ومع التوسع المتسارع في استخدام تطبيقاته في التعليم والصحة والتجارة والإدارة والقضاء، تبرز الحاجة إلى فهم مفهوم الذكاء الاصطناعي، وبيان علاقته بالقانون، وتحديد مدى قدرة القواعد القانونية على استيعاب الآثار التي تترتب على استخدامه، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الابتكار وحماية الحقوق والحريات.

يُعرَّف الذكاء الاصطناعي بأنه مجموعة من الأنظمة والتقنيات الحاسوبية التي تمكّن الآلات من تحليل البيانات، والتعلّم من الأنماط، والاستدلال، وإنتاج المحتوى، وتقديم التوصيات والتنبؤات، أو اتخاذ قرارات تؤثر في البيئة الواقعية أو الرقمية، بدرجات متفاوتة من الاستقلالية والقدرة على التكيّف. ولا تقتصر هذه التقنيات على محاكاة بعض القدرات البشرية، بل تمتد إلى معالجة كميات كبيرة من المعلومات واكتشاف العلاقات بين البيانات وإنتاج نتائج قد يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية بالسرعة نفسها. ومع ذلك، فإن قدرة النظام على إنتاج المعلومات أو اقتراح القرارات لا تعني بالضرورة صحة نتائجه أو حيادها؛ إذ قد تتأثر مخرجاته بمصادر البيانات وطريقة تصميمه والأهداف التي أُنشئ لتحقيقها.

وفي المقابل، يُعرَّف القانون، في معناه العام، بأنه مجموعة من القواعد الملزمة التي تنظّم سلوك الأفراد وعلاقاتهم داخل المجتمع، وتحدد الحقوق والالتزامات، وتبيّن الآثار المترتبة على مخالفتها وفقاً للنظام القانوني المعمول به. وتتمثل وظيفته الأساسية في تحقيق التوازن بين المصالح، وحماية الحقوق والحريات، وإرساء العدالة والاستقرار، وتنظيم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات. ومن ثم، فإن وظيفة القانون لا تقتصر على معالجة الوقائع التقليدية، بل تمتد إلى المستجدات التي تفرضها التطورات العلمية والتقنية متى كان لها أثر في حقوق الأشخاص أو مصالحهم المشروعة.

ومن هذا المنطلق، تتجلى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والقانون في جانبين متكاملين؛ يتمثل الأول في توظيف التقنيات الذكية لخدمة العمل القانوني، من خلال البحث في التشريعات والأحكام، وتحليل الوثائق، وتنظيم المعلومات، والمساعدة في إعداد الدراسات والأبحاث. أما الجانب الثاني، فيتمثل في إخضاع استخدام هذه التقنيات للقواعد القانونية التي تحمي حقوق الأفراد وتنظّم الالتزامات والمسؤوليات الناشئة عن استخدامها. فالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إعداد عقد أو تحليل مستند أو تقديم استشارة أولية لا تعني أن مخرجاته صحيحة أو ملزمة لمجرد صدورها عن نظام تقني، وإنما تظل بحاجة إلى التحقق والمراجعة البشرية، مع مراعاة النصوص القانونية النافذة وظروف كل واقعة.

وتزداد أهمية التنظيم القانوني عندما يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي إلى الإضرار بأحد الأشخاص، أو المساس بخصوصيته، أو معالجة بياناته الشخصية دون مسوغ قانوني، أو إنتاج معلومات مضللة تمس سمعته، أو اتخاذ قرارات آلية تؤثر في حقوقه ومصالحه. ففي مثل هذه الحالات، تبرز ضرورة تحديد القواعد القانونية الواجبة التطبيق، وطبيعة الالتزام الذي جرى الإخلال به، ومدى توافر شروط المسؤولية، والجهة التي يمكن إسناد الفعل إليها وفقاً للظروف والأحكام القانونية ذات الصلة.

وتثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، مجموعة من الإشكاليات القانونية، يأتي في مقدمتها تحديد المسؤولية عن الأضرار الناشئة عن الأنظمة الذكية، ولا سيما عندما تتداخل أدوار المطوّر والمشغّل والمستخدم، أو يصعب تفسير الكيفية التي توصل بها النظام إلى نتيجة معينة. كما تبرز مسألة حماية البيانات الشخصية والخصوصية، بسبب اعتماد العديد من التطبيقات على جمع البيانات وتحليلها ومعالجتها، فضلاً عن التحديات المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية في المحتوى المُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، ومخاطر التمييز الناتج عن البيانات المتحيزة، وصعوبة التحقق من صحة بعض المعلومات والأدلة الرقمية.

ولا يعني ظهور هذه التحديات أن القواعد القانونية القائمة أصبحت عاجزة بالضرورة عن مواجهتها؛ إذ قد توفر القواعد العامة في العقود والفعل الضار وحماية الحقوق أساساً لمعالجة عدد من الوقائع. غير أن مدى كفاية هذه القواعد يتوقف على طبيعة التطبيق، وخصائص الضرر، والأحكام القانونية النافذة، ومدى إمكان إثبات عناصر الواقعة وإسنادها إلى الأشخاص المعنيين. ومن هنا، تبرز أهمية تطوير التشريعات والسياسات القانونية بما يحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الإنسان، مع مراعاة مبادئ الشفافية والمساءلة والعدالة واحترام الحقوق الأساسية.

ومن المسائل التي تستحق اهتماماً خاصاً تحديد المركز القانوني لأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فامتلاك النظام القدرة على تحليل المعلومات أو إنتاج المحتوى أو اقتراح القرارات لا يعني، بحد ذاته، تمتعه بالشخصية القانونية أو اكتسابه أهلية تحمّل الحقوق والالتزامات. فالشخصية القانونية تُحدَّد وفقاً للقواعد التي يقرّرها النظام القانوني، ولا يجوز الخلط بين الاستقلال التقني والاستقلال القانوني. لذلك، ينبغي التمييز بين قدرة النظام على تنفيذ وظائف معينة بصورة آلية، وبين تحديد الشخص الطبيعي أو المعنوي الذي تقع عليه الالتزامات القانونية أو يمكن أن تُسند إليه المسؤولية وفقاً للقانون الواجب التطبيق.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في نطاق القانون المدني؛ لأن معالجة الأضرار الناشئة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتطلب فحص طبيعة العلاقة بين الأطراف، والالتزامات الناشئة عنها، وأسباب الضرر، وشروط التعويض، دون افتراض أن النظام الذكي يتحمل المسؤولية لمجرد كونه الأداة التي ظهر الضرر من خلالها. فالمسألة القانونية لا تتعلق بالتقنية وحدها، بل تمتد إلى تحديد الأساس القانوني للمطالبة، ومدى توافر أركان المسؤولية، وإمكان إثبات العلاقة بين استخدام النظام والنتيجة الضارة.

إن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والقانون تكشف عن حقيقة جوهرية، مفادها أن التطور التقني لا يلغي الحاجة إلى القواعد القانونية، بل يجعلها أكثر أهمية في تنظيم استخدام التكنولوجيا وضمان عدم تحولها إلى مصدر للإضرار بالحقوق والحريات. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التقدم التقني والالتزام القانوني، وإنما في بناء علاقة متوازنة بينهما، تسمح بالاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون التضحية بالعدالة أو الكرامة الإنسانية أو الأمن القانوني.

وفي نهاية المطاف، لا تُقاس أهمية الذكاء الاصطناعي بقدرته على محاكاة بعض وظائف الإنسان فحسب، بل بمدى توظيفه في خدمة المجتمع ضمن إطار يحترم الحقوق ويضمن المساءلة. فالتكنولوجيا قد تساعد في تحليل الوقائع واقتراح الحلول، لكنها لا تُغني عن ضرورة التحقق من النتائج وتحديد المسؤولية عن آثارها. ومن ثم، يظل القانون الأداة الأساسية لضبط العلاقة بين الإنسان والتقنية، وتحقيق التوازن بين متطلبات الابتكار وضمانات الحماية القانونية، بما يجعل التقدم التكنولوجي وسيلةً لتعزيز العدالة والتنمية، لا سبباً لإضعافهما.