العراق بين العقوبات والسيادة.. المشكلة في توقيت التحرك بقلم النائب حيدر الفوادي
تضع أزمة تعليق الرحلات الجوية بين العراق وإيران الدولة العراقية أمام اختبار مهم في إدارة التوازنات الخارجية.
ولا خلاف على أن حماية المصارف والمؤسسات والمطارات العراقية من تداعيات العقوبات الأميركية مسؤولية حكومية، وأن العراق لا يستطيع المجازفة بمصالحه المالية أو تعريض مؤسساته لعقوبات ثانوية.
لكن الاعتراف بهذا الخطر لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها عن طريقة إدارة الأزمة، ولا سيما أن العراق بلد جار لإيران، وتربطه بها مصالح اقتصادية واجتماعية ودينية واسعة، فضلاً عن حركة سفر كبيرة تشمل المرضى والطلبة والزائرين والتجار.
كان ينبغي على الحكومة العراقية أن ترفض منذ البداية شمول العراق بهذا الإجراء، وأن تتحرك للحصول على استثناء واضح قبل تعليق الرحلات، مستندة إلى خصوصية العلاقة بين البلدين، وإلى طبيعة المصالح المدنية والإنسانية المرتبطة بها.
فالعراق ليس طرفاً في أي صراع، ولا يجوز أن يتحمل مواطنوه تبعات قرارات تتعلق بعلاقات دولية لا يملكون التحكم بها.
وتشير المعطيات المعلنة إلى أن بغداد بدأت التفاوض مع واشنطن للحصول على استثناءات تتعلق بالعلاج والتعليم والزيارات الدينية والمصالح المدنية بعد تعليق الرحلات
وهنا تكمن الملاحظة الأساسية: كان ينبغي أن يبدأ التفاوض قبل التعليق، لا بعده، وأن يُحسم الاستثناء للعراق منذ البداية.
لم يكن المطلوب من الحكومة مواجهة الولايات المتحدة أو تعريض المؤسسات العراقية للعقوبات، بل كان المطلوب استخدام الأدوات الدبلوماسية المتاحة، وشرح خصوصية العراق، والتأكيد أن تطبيق القرار عليه سيؤدي إلى أضرار إنسانية واقتصادية وسياسية واسعة.
وكان ينبغي كذلك دراسة ردود الفعل الشعبية والسياسية المتوقعة، لأن أي قرار يمس حركة المواطنين ومصالحهم المباشرة لا يمكن التعامل معه باعتباره ملفاً فنياً أو إدارياً فقط.
لقد أخطأت الحكومة في تقدير توقيت التحرك وقراءة تداعيات القرار.
فالمسألة لا تتعلق بحماية المصارف والمطارات فحسب، بل أيضاً بثقة المواطنين بالدولة، وبقدرة الحكومة على الدفاع عن مصالح العراق عندما تتعارض مع قرارات خارجية.
وكان من الضروري أن تضع بغداد منذ البداية خطة للتعامل مع المرضى والطلبة والزائرين والتجار، وأن تشرح للرأي العام طبيعة الإجراءات المتخذة وأسبابها ونتائجها.
كما أن هناك حوادث تاريخية تؤكد أن العراق استطاع، في مراحل سابقة، الحصول على استثناءات عندما تحركت حكومته مبكراً وقدمت حججاً واضحة تتعلق بخصوصية موقعه ومصالحه.
وهذا يعني أن الحصول على الاستثناء لم يكن أمراً مستحيلاً، وأن الحكومة لم تكن معفاة من مسؤولية السعي الجاد إليه قبل وقوع الضرر، لا بعده.
ولا نعفي الحكومة من المسؤولية بحجة العقوبات أو الضغوط الدولية.
فالحكومة مسؤولة عن حماية مصالح العراق، وعن التفاوض باسم مواطنيه، وعن استباق الأزمات لا انتظار وقوعها.
وحتى إذا لم تكن قادرة على منع القرار الأميركي بالكامل، فإن التحرك المبكر كان سيمنحها فرصة أكبر للحصول على استثناء شامل أو ترتيبات خاصة بالعراق، ويقلل من كلفة الأزمة وآثارها.
فالواقعية السياسية لا تعني انتظار القرار ثم البحث عن مخارجه، وإنما تعني استباقه قدر الإمكان، وشراء الوقت، وتوسيع مساحة الخيارات قبل أن تضيق.
كما أن السيادة لا تعني مواجهة القوى الكبرى، ولا تعني الاستجابة التلقائية لضغوطها؛ بل تعني أن تستخدم الدولة أدواتها الدبلوماسية والسياسية والقانونية لحماية مصالحها وتوسيع مساحة قرارها.
إن العراق يرتبط بالولايات المتحدة بمصالح استراتيجية ومالية واقتصادية، ويرتبط بإيران بعلاقات جوار ومصالح اقتصادية واجتماعية ودينية واسعة.
ومن ثم فإن المصلحة العراقية تقتضي سياسة توازن، لا الدخول في صراع المحاور، لكنها تقتضي في الوقت نفسه موقفاً واضحاً عندما تتعرض مصالح المواطنين للخطر.
لذلك، فإن الدرس الأهم من أزمة الرحلات هو أن إدارة الأزمات تبدأ قبل وقوعها.
كان ينبغي أن تتحرك بغداد عند ظهور مؤشرات الخطر، وأن ترفض شمول العراق بالقرار، وأن تطلب الاستثناء قبل التعليق، وأن تدرس ردود الفعل الشعبية والسياسية، وأن تضع البدائل قبل أن تصبح الحاجة إليها أمراً واقعاً.
العراق لا يحتاج إلى سياسة مواجهة، لكنه يحتاج إلى سياسة استباق وموقف تفاوضي واضح؛ لأن الدولة التي تتحرك قبل أن تضيق خياراتها تكون أقدر على حماية مصالح مواطنيها وسيادتها