الخليج أمام فراغ تجاري إقليمي.. هل يملؤه التجار العراقيون؟.. بقلم ضياء الناصري

الخليج أمام فراغ تجاري إقليمي.. هل يملؤه التجار العراقيون؟.. بقلم ضياء الناصري

لم تعد التطورات الأخيرة في العلاقات الإماراتية ـ الإيرانية مجرد أزمة سياسية عابرة. نحن أمام حدث يمكن أن يعيد رسم خريطة التجارة في المنطقة، والسؤال الذي ينبغي أن يشغل العراقيين ليس فقط: ماذا ستخسر إيران؟ وماذا ستخسر الإمارات؟ بل: ماذا يمكن أن يربح العراق؟.

في 19 آب 2026 أعلنت الإمارات تعليق جميع التجارة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، في خطوة جاءت وسط تصعيد إقليمي واضطراب واسع في حركة الملاحة.

وكانت الإمارات، ودبي تحديداً، واحدة من أهم البوابات التجارية التي اعتمدت عليها إيران للوصول إلى السلع والخدمات والأسواق العالمية. وتشير تقديرات متداولة إلى أن حجم التجارة الإماراتية ـ الإيرانية يصل إلى قرابة 30 مليار دولار سنوياً، ما يجعل توقف هذا المسار أكثر من مجرد خلاف سياسي؛ فهو يعني إعادة ترتيب لطرق التوريد والنقل والتمويل في المنطقة.

عندما تُغلق قناة تجارية بهذا الحجم، يبدأ المستورد بالبحث عن مورد جديد، والمورد عن سوق جديد، وشركات النقل عن طرق بديلة. وهنا تظهر فرصة العراق.
لماذا العراق؟ العراق ليس مجرد دولة مجاورة لإيران أو سوق استهلاكية كبيرة. إنه يقع في نقطة تلتقي فيها اتجاهات تجارية رئيسية: الخليج جنوباً، وتركيا شمالاً، وسوريا والأردن غرباً، وإيران شرقاً.

ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي للعراق نحو 254 مليار دولار وفق أحدث بيانات البنك الدولي، فيما تشكل الواردات سوقاً ضخمة للاقتصاد العراقي.

والأهم أن العراق بدأ بالفعل ببناء جزء من البنية التحتية التي يحتاجها للقيام بدور إقليمي أكبر. ففي عام 2025 وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 930 مليون دولار لتحديث وتوسيع شبكة السكك الحديدية العراقية، بما في ذلك خط يربط ميناء أم قصر بالموصل عبر بغداد. ويهدف المشروع إلى رفع كفاءة نقل البضائع وتعزيز الربط التجاري، مع توقعات بأن تصل حركة الشحن على الشبكة المطورة إلى ملايين الأطنان سنوياً.

وفي حزيران 2026 أقر البنك الدولي تمويلاً جديداً بقيمة 900 مليون دولار لتحسين ممرات النقل البري العراقية، خصوصاً المحاور التي تربط بغداد بالحدود التركية، وبسوريا والأردن.
وفي الاتجاه نفسه، أطلقت مجموعة موانئ أبو ظبي في يونيو خدمة شحن أسبوعية مباشرة بين ميناء خليفة وميناء أم قصر، بما يعزز موقع العراق في شبكات النقل الإقليمية ويربطه بمسارات تمتد إلى الأردن وسوريا ولبنان وتركيا وأوروبا.

هذه ليست مشاريع منفصلة. إنها أجزاء من صورة أكبر: العراق يملك الموقع، ويبدأ بامتلاك البنية التحتية التي تسمح بتحويل الموقع إلى قيمة اقتصادية.
لكن هناك عقبة اسمها مضيق هرمز، وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً. فإذا كان توقف التجارة الإماراتية ـ الإيرانية يخلق فراغاً تجارياً، فإن اضطراب أو إغلاق مضيق هرمز يهدد طرق التجارة والطاقة في الخليج بأكمله.

وقد أظهر التصعيد الأخير أن الاعتماد على ممر واحد يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. فهرمز كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20 % من تدفقات النفط العالمية، فيما تراجعت حركة الشحن عبره بشدة خلال الأزمة، وهذا يغير طبيعة الفرصة أمام العراق.

فالعراق لا يستطيع أن يقول ببساطة: «سنكون البديل عن الإمارات». فهذا غير واقعي. لكن يستطيع أن يقول: سنكون جزءاً من البدائل التي تبحث عنها المنطقة.
كلما ارتفعت مخاطر الاعتماد على الممرات البحرية، ازدادت أهمية الموانئ والطرق البرية والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية التي تستطيع نقل البضائع بعيداً عن نقاط الاختناق. وهنا تحديداً يمكن أن يتحول الموقع الجغرافي العراقي من ميزة نظرية إلى فرصة اقتصادية حقيقية.

الفرصة ليست في الالتفاف على العقوبات، لكن ثمة خطاً أحمر ينبغي ألا يقترب منه العراق. فالفرصة التي تتيحها إعادة ترتيب التجارة الإقليمية لا تعني أن يتحول العراق إلى منصة للالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، أو إلى قناة بديلة للمعاملات المالية والتجارية المحظورة.

مثل هذا المسار قد يمنح بعض التجار أرباحاً سريعة، لكنه يضع الاقتصاد العراقي والقطاع المصرفي أمام مخاطر أكبر بكثير، خصوصاً في ظل تشديد الولايات المتحدة إجراءاتها ضد شبكات التعامل مع إيران وتحذيرها من العقوبات الثانوية، فالعراق يحتاج إلى الاستفادة من إعادة توزيع التجارة، لا من خرق قواعدها.
وهذه نقطة جوهرية: يمكن للعراق أن يستقبل شركات جديدة، ويقدم خدمات لوجستية، ويوسع أسواقه، ويطور صادراته، ويستقطب استثمارات، ويكون ممراً للتجارة المشروعة بين الخليج وتركيا وأوروبا؛ من دون أن يتحول إلى طرف في معركة العقوبات.

من يملأ الفراغ؟ السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع العراق أن يحل محل الإمارات؟
الجواب: لا يستطيع، وليس هذا هو المطلوب.
السؤال هو: هل يستطيع العراق أن يحصل على جزء من التجارة التي ستعاد صياغتها في المنطقة؟
الإجابة تعتمد بدرجة كبيرة على القطاع الخاص. فالشركة التي فقدت سوقاً ستبحث عن سوق بديل، والمستورد الذي فقد مورداً سيبحث عن مورد آخر، والناقل الذي فقد طريقاً سيبحث عن طريق جديد. وهذه العملية بدأت بالفعل على مستوى المنطقة، مع اتجاه دول وشركات إلى تنويع طرق النقل وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.

وهنا ينبغي أن يتحرك التاجر العراقي قبل أن يتحرك الآخرون.
ليس المطلوب انتظار أن تأتي الفرصة إلى بغداد، بل البحث عنها في دبي وأبو ظبي وتركيا والأردن وقطر والسعودية والأسواق الآسيوية، وبناء شراكات جديدة مع الشركات التي تبحث الآن عن طرق وأسواق وممرات بديلة.

العراق لا يحتاج إلى أن يكون بديلاً كاملاً عن أحد، يكفي أن يصبح جزءاً لا يمكن تجاهله من البديل الإقليمي.

من يملك الجرأة على الدخول إلى الأسواق، والقدرة على بناء الشراكات، والالتزام بقواعد التجارة الدولية، هو من سيحول هذه اللحظة الجيوسياسية إلى مكسب اقتصادي.

والسؤال الذي سيجيب عنه السوق خلال السنوات المقبلة ليس ماذا حدث بين الإمارات وإيران، بل: من ملأ الفراغ الذي تركته هذه الأزمة؟ إذا لم يفعلها التاجر العراقي، فسيفعلها غيره.