حضارة أصبحت قدرتها أكبر من حكمتها».. هل يؤدي الذكاء الاصطناعي الى احداث خلل في المركب الحضاري.. بقلم/ محمد عبد الجبار الشبوط
تصاعدت في الأسابيع الأخيرة تحذيرات صادرة من داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها من المخاطر التي قد تنشأ عن التطور المتسارع لهذه التكنولوجيا، ووصل بعض العاملين في هذا المجال إلى وضع احتمالات رقمية لوقوع كارثة تهدد الحضارة الإنسانية أو حتى بقاء الإنسان. وبصرف النظر عن القيمة العلمية لمثل هذه النسب، وهي في الغالب تقديرات للمخاطر وليست نتائج إحصائية قابلة للتحقق، فإن مجرد صدور هذه التحذيرات من أشخاص يعملون في قلب صناعة الذكاء الاصطناعي يستحق وقفة جادة.
لكن السؤال، من منظور الفلسفة الحضارية، ليس: هل تبلغ نسبة الخطر عشرة في المئة أم أقل أم أكثر؟ السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث للحضارة عندما تنمو قدرتها العلمية والتكنولوجية بسرعة تفوق نمو قدرتها القيمية والمؤسسية على توجيه هذه القوة وضبطها؟
تقدم الفلسفة الحضارية تصورًا للمجتمع والحضارة يقوم على «المركب الحضاري» المؤلف من خمسة عناصر هي: الإنسان، والأرض، والزمن، والعلم، والعمل، تتحرك في إطار منظومة من القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري والموجهة لفاعليته. ولا تتحقق الحياة الطيبة بمجرد تضخم أحد هذه العناصر، وإنما بحسن فاعلية المركب كله وتوازنه وتوجيهه بواسطة منظومة القيم.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تحولًا بالغ الضخامة في عنصر «العلم». فالإنسان لم يعد يمتلك فقط أدوات تحفظ المعرفة أو تنقلها أو تساعده على إجراء العمليات الحسابية، وإنما بدأ يمتلك أنظمة تشارك في إنتاج المعرفة نفسها: تقرأ وتحلل وتقارن وتستنتج وتكتب وتصمم وتبرمج، وتستطيع بصورة متزايدة الانتقال من المعرفة إلى الفعل.
وهنا يتصل عنصر العلم بعنصر العمل اتصالًا جديدًا. فإذا كان العلم يمثل القدرة على معرفة الواقع، وكان العمل يمثل القدرة على التدخل فيه وتغييره، فإن الذكاء الاصطناعي يسرّع اندماج القدرتين: معرفة تتولد بسرعة غير مسبوقة، وقدرة متزايدة على تحويل هذه المعرفة إلى فعل.
وهذا في ذاته ليس شرًا. بل يمكن أن يكون من أعظم الفرص التي عرفتها البشرية لزيادة الإنتاج، ومعالجة الأمراض، وتحسين التعليم، وتطوير البحث العلمي، وتقليل الهدر، وإدارة الموارد، ورفع قدرة الإنسان على حل المشكلات المعقدة. ومن منظور الفلسفة الحضارية يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي قوة هائلة في خدمة الغاية التي نعبّر عنها بمفهوم «الحياة الطيبة».
لكن الإمكانية المقابلة قائمة أيضًا.
فإذا تضخمت قدرة «العلم» و«العمل» داخل المركب الحضاري، بينما بقيت منظومة القيم والمؤسسات السياسية والقانونية والأخلاقية التي توجههما أبطأ نموًا، ظهر اختلال داخلي في المركب نفسه. وعندئذ لا تكون المشكلة أن العلم أصبح أكثر تقدمًا، وإنما أن القدرة الحضارية أصبحت أكبر من القدرة الإنسانية على توجيهها.
وقد عرفت البشرية صورًا سابقة لهذه المشكلة. فقد أدى تطور الفيزياء إلى اكتشاف الطاقة النووية، لكنه أدى أيضًا إلى إنتاج السلاح النووي. ولم يكن الخلل في الفيزياء، وإنما في العلاقة بين المعرفة والقوة والقيم والسياسة. وكلما ازدادت قدرة الإنسان ازدادت أهمية السؤال: لأي غاية تستخدم هذه القدرة، ومن يملكها، ومن يقرر طريقة استخدامها، وما القيم التي تضبط القرار؟
لكن الذكاء الاصطناعي يضيف إلى المشكلة بعدًا جديدًا. فالأداة النووية لا تفكر ولا تنتج معرفة ولا تختار وسائل جديدة لتحقيق غاية محددة لها، بينما تتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى امتلاك قدر متزايد من الاستقلال في التحليل والتخطيط والتنفيذ. ولهذا يصبح سؤال السيطرة أكثر تعقيدًا: كيف يضمن الإنسان أن تبقى القدرة التي صنعها خاضعة للغايات الإنسانية والقيم التي يريد تحقيقها؟
من هنا أرى أن النقاش الدائر حول احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى كارثة حضارية ينبغي ألا يتحول إلى صراع بين المتشائمين والمتفائلين. فالقضية ليست التنبؤ بنهاية العالم، وإنما بناء الشروط التي تمنع حدوث الاختلال الحضاري قبل وقوعه.
وهذه المسؤولية لا تستطيع شركات التكنولوجيا أن تتحملها منفردة، كما لا تستطيع دولة واحدة أن تضطلع بها. فالذكاء الاصطناعي أصبح قدرة حضارية عالمية، ومن ثم يحتاج إلى منظومة قيمية وقانونية ومؤسسية عالمية قادرة على تنظيم تطويره واستخدامه، مع المحافظة في الوقت نفسه على حرية البحث العلمي والابتكار.
ويجب خصوصًا مقاومة منطق السباق غير المنضبط الذي قد يدفع الشركات والدول إلى تخفيف معايير السلامة خشية أن يسبقها المنافسون. فالحضارة قد تدخل أحيانًا في وضع يعرف فيه كل طرف أن استمرار السباق خطر، لكنه يواصل السباق لأن توقفه منفردًا يعني تقدم الآخرين عليه. وهنا تصبح المؤسسة والقانون والتعاون الدولي أدوات حضارية لضبط القدرة، لا قيودًا على التقدم.
إن المشكلة الكبرى التي يطرحها الذكاء الاصطناعي ليست أن الآلة أصبحت ذكية، وإنما أن قوة المعرفة الإنسانية تتضاعف بسرعة هائلة بينما لا تتضاعف حكمة الإنسان بالسرعة نفسها.
وهذا هو موضع منظومة القيم في المركب الحضاري.
فالإنسان يحتاج إلى العلم ليزداد قدرة، لكنه يحتاج إلى القيم لكي يعرف ماذا يفعل بهذه القدرة. ويحتاج إلى العمل لكي يحول المعرفة إلى واقع، لكنه يحتاج إلى القيم لكي يحدد أي واقع يريد أن يصنع. ويحتاج إلى الزمن لكي يراكم منجزاته، لكنه يحتاج إلى القيم لكي لا تتحول المراكمة إلى تراكم للقوة بلا غاية إنسانية.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس إيقاف العلم، وإنما إعادة بناء التوازن داخل المركب الحضاري بحيث يظل نمو القدرة العلمية والتكنولوجية محكومًا بنمو موازٍ في الوعي القيمي والمؤسسة والقانون والمسؤولية الإنسانية.
إذا نجح الإنسان في ذلك، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي أحد أعظم مضاعفات القدرة الحضارية في التاريخ، وأداة استثنائية لإنتاج الوفرة وتقليل الهدر وتحسين شروط الحياة الطيبة.
أما إذا تضخمت القدرة وانفصلت عن منظومة القيم التي ينبغي أن توجهها، فإن الخطر لن يكون صادرًا من «آلة شريرة» قررت القضاء على الإنسان، وإنما من خلل أعمق صنعه الإنسان بنفسه: حضارة أصبحت قدرتها أكبر من حكمتها.
وهنا، في تقديري، ينبغي أن يبدأ النقاش الحقيقي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. عرض أقل