مركز الفراتين للدراسات والبحوث الاستراتيجية.. مساحة عراقية لقراءة الحاضر واستشراف المستقبل

مركز الفراتين للدراسات والبحوث الاستراتيجية.. مساحة عراقية لقراءة الحاضر واستشراف المستقبل

إعداد – د.عيسى الموسوي
وكالة حقائق الاخبارية
في المشهد العراقي الذي تتقاطع فيه السياسة مع الاقتصاد، وتتسارع فيه التحولات الإقليمية والدولية والتكنولوجية، يطل مركز الفراتين للدراسات والبحوث الاستراتيجية بوصفه مساحة جديدة للبحث والتحليل وإنتاج الأفكار، في محاولة لردم الفجوة بين المعرفة وصناعة القرار.

ولا تبدو أهمية المركز في كونه مؤسسة بحثية جديدة فحسب، بل في طبيعة الدور الذي يمكن أن يضطلع به في قراءة الملفات العراقية من منظور علمي واستراتيجي، بعيداً عن المعالجات الآنية التي غالباً ما تتوقف عند توصيف المشكلة من دون التعمق في جذورها أو استشراف نتائجها.
تحتاج الدول الحديثة إلى أكثر من القرارات والإجراءات الإدارية والسياسية فهي تحتاج إلى معرفة دقيقة بالواقع، وقدرة على تحليل المتغيرات، وامتلاك أدوات تساعد على تقدير النتائج قبل اتخاذ الخيارات.

ومن هذه الزاوية، يمكن لمراكز الدراسات أن تؤدي دوراً يتجاوز الندوات والحلقات النقاشية، لتصبح جزءاً من البيئة التي تتشكل فيها السياسات العامة، من خلال إعداد الدراسات، وتحليل الظواهر، ومقارنة البدائل، وتقديم توصيات عملية أمام صانع القرار.

وتزداد أهمية هذا الدور في العراق، حيث تتعدد الملفات المعقدة وتتداخل أسبابها ونتائجها، الأمر الذي يجعل الحاجة قائمة إلى دراسات لا تكتفي بتشخيص الواقع، وإنما تبحث عن حلول قابلة للتطبيق، وتضع أمام المؤسسات المعنية أكثر من مسار للتعامل مع التحديات.

ويبرز الاقتصاد العراقي واحداً من الملفات التي يمكن أن تشكل ميداناً واسعاً لعمل المركز، ولا سيما في ما يتعلق بمستقبل مصادر الدخل، وتنويع الاقتصاد، وتفعيل دور القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، فضلاً عن دراسة العلاقة بين الموارد الطبيعية والتنمية المستدامة.

كما تفرض ملفات المياه والطاقة والتعليم والتكنولوجيا نفسها على أجندة البحث العراقي، باعتبارها قضايا لن تحدد فقط شكل الاقتصاد خلال السنوات المقبلة، وإنما ستؤثر في طبيعة المجتمع وفرصه وقدرته على التعامل مع التحولات العالمية.

وهنا تبرز قيمة الدراسات الاستراتيجية التي تنظر إلى هذه الملفات بوصفها أجزاء مترابطة من قضية واحدة، هي كيفية بناء اقتصاد عراقي أكثر قدرة على الاستمرار وأقل تأثراً بالصدمات والمتغيرات الخارجية.
يمتلك العراق موقعاً جغرافياً وتاريخاً وإمكانات تجعل ما يحدث حوله مؤثراً بصورة مباشرة في واقعه الداخلي.

فالتغيرات في المنطقة، والتحولات الاقتصادية العالمية، والتطور المتسارع في التكنولوجيا، وتبدل طبيعة العلاقات الدولية، كلها عوامل تحتاج إلى قراءة عراقية متخصصة، لا تكتفي بمتابعة الأحداث بعد وقوعها، بل تحاول استشراف اتجاهاتها وما يمكن أن تتركه من تداعيات.

ومن هنا يمكن أن يتحول المركز إلى منصة لإنتاج قراءات عراقية للمتغيرات، تستند إلى البحث والمعلومة والتحليل، وتساعد على بناء رؤية أكثر وضوحاً تجاه القضايا التي تمس الدولة والمجتمع.
.
ولا ينفصل حضور المركز عن المكان الذي يحتضنه؛ فبغداد التي عُرفت عبر تاريخها بوصفها مركزاً للعلم والفكر والترجمة والحوار، تبدو اليوم بحاجة إلى مساحات جديدة تستعيد من خلالها هذا الدور، وتفتح المجال أمام الباحثين والأكاديميين والخبراء لتبادل الأفكار وإنتاج المعرفة.
.
ومن المهم أن يتجه المركز نحو بناء علاقات بحثية مع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية ومراكز الدراسات العراقية والعربية والدولية، بما يتيح تبادل الخبرات، وتوسيع دائرة البحث، وإتاحة المجال أمام الدراسات العراقية للوصول إلى فضاء أوسع.

التحدي الحقيقي أمام أي مركز بحثي لا يبدأ عند لحظة افتتاحه، وإنما يظهر في قدرته على إنتاج معرفة ذات قيمة، وتحويل الدراسات من أوراق أكاديمية إلى أفكار قابلة للنقاش والاستفادة والتطبيق.

ومن هنا، فإن القيمة التي يمكن أن يضيفها مركز الفراتين ستتحدد بقدرته على الاقتراب من الأسئلة الحقيقية للعراق
كيف يمكن تنويع الاقتصاد؟ وكيف تُدار موارده بكفاءة؟ وما الذي يحتاجه التعليم لمواكبة المستقبل؟ وكيف يمكن التعامل مع تحديات المياه والطاقة؟ وكيف يقرأ العراق موقعه في التحولات الإقليمية والدولية؟
أسئلة كثيرة تحتاج إلى مراكز لا تكتفي بقراءة ما حدث، وإنما تحاول الإجابة عما سيحدث، ولماذا سيحدث، وكيف يمكن الاستعداد له.

وبهذا المعنى، فإن مركز الفراتين للدراسات والبحوث الاستراتيجية يمكن أن يمثل إضافة إلى المشهد العراقي إذا نجح في بناء مدرسة بحثية تقوم على الرصانة والاستقلالية والعمق، وتمنح المعرفة موقعاً متقدماً في النقاش الوطني، لتكون الأفكار المدروسة أحد المداخل الأساسية لصناعة القرار وبناء المستقبل.