علاقة الفرد الشيعي باجتماعه الديني/ 3 بقلم د.علي المؤمن

علاقة الفرد الشيعي باجتماعه الديني/ 3 بقلم د.علي المؤمن

ما سبق يؤكد أن هناك خمس علاقات أساسية للفرد الشيعي باجتماع الديني:

1-علاقة الإنتاج، ويمثلها الشيعي المتكامل.
2-علاقة التفاعل الإيجابي وإعادة التوزيع، ويمثلها الشيعي الحقيقي.
3-علاقة التعطيل، ويمثلها الشيعي المفقود.
4-علاقة الاستنزاف، ويمثلها الشيعي السلبي.
5-علاقة التفكيك والتموضع المضاد، ويمثلها الشيعي المنسلخ.

وهذه العلاقات لا تمثل خمس درجات في التدين، بل خمسة اتجاهات لحركة الطاقة الاجتماعية. وهذه النقطة هي الأساس الذي يمنح التصنيف قيمته في علم الاجتماع الديني الشيعي.

والحقيقة أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الاجتماع الديني الشيعي في العصر الحديث لا يتعلق بحجمه البشري، ولا بقدرته على البقاء وحدها؛ فقد أثبت هذا الاجتماع خلال تاريخه الطويل قدرة استثنائية على المحافظة على ذاته وإعادة إنتاج هويته، رغم ما مر به من ظروف قاسية، وإنما يتعلق التحدي اليوم بقدرته على تحويل الكتلة البشرية إلى كتلة حضارية فاعلة. فالمجتمعات لا تتقدم بعدد أبنائها فقط، وإنما بنوعية العلاقة التي تربط هؤلاء الأبناء بها، وبنسبة المنتجين إلى المستهلكين، والفاعلين إلى المنكفئين، والبناة إلى المستنزفين.

والحقيقة أن الإنسان لا يولد «متكاملاً» ولا «حقيقياً» ولا «مفقوداً» ولا «سلبياً» ولا «منسلخاً»، وإنما تسهم الأسرة والمؤسسة والمرجعية والدولة والثقافة والتعليم والتجربة السياسية والإعلام والبيئة الاجتماعية في دفعه نحو هذا الموقع أو ذاك؛ ولذلك فإن مسؤولية بناء الفرد الفاعل ليست مسؤوليته الشخصية وحده، بل مسؤولية النظام الاجتماعي الديني نفسه. فإذا كانت المؤسسات مغلقة، والخطاب متكلساً، والسياسة فاسدة، والنخب عاجزة عن التجدد، فلا ينبغي أن يفاجأ المجتمع بارتفاع عدد المفقودين والسلبيين. وإذا كانت مؤسساته مفتوحة وكفوءة، وخطابه عقلانياً، وقياداته جديرة بالثقة، وقدرته على استيعاب الاختلاف مرتفعة، فإنه سيزيد تلقائياً من مساحة الفاعلية الإيجابية.

وبذلك فإن مشروع النهوض بالاجتماع الديني الشيعي يمكن اختزاله، من زاوية العلاقة بالفرد، في خمس حركات مترابطة:

1-توسيع دائرة الشيعي المتكامل

2-تمكين الشيعي الحقيقي، وإبقاء الأبواب مفتوحةً أمامه للنظر والعمل.

3-استعادة الشيعي المفقود، لأنه ليس عدواً ينبغي التخلص منه، وإنما إنسان ينبغي استعادته.

4-إصلاح الشيعي السلبي، لأنه ليس خائناً أو سيئ النية دائماً، بل قد يكون طاقة فقدت اتجاهها الصحيح، وتحتاج إلى وعي ومراجعة وبيئة تستثمر قدرتها بدلاً من أن تدفعها نحو الهدم.

5-مواجهة الشيعي المنسلخ مواجهةً فكرية واجتماعية وسياسية، فهو الحالة التي يصل فيها الانفصال بين الهوية والدور إلى مستوى يتحول معه الفرد من ناقد لمجتمعه إلى متموضع في مواجهة وجوده وحقوقه ومصالحه المشروعة، وهنا يكون العلاج الفكري والاجتماعي أكثر تعقيداً، لأن القضية لم تعد اختلافاً في الخيارات، بل خللاً في أصل العلاقة بين الإنسان والجماعة التي ينتمي إليها.

ويبقى الهدف النهائي لا يتمثل في إنتاج مجتمع متشابه الأفراد والآراء، وإنما إنتاج اجتماع قوي بتنوعه، متماسك بثوابته، مرن في متغيراته، ناقد لذاته، قادر على إصلاح أخطائه، ومنفتح على محيطه، وواثق بهويته، ومنتج للمعرفة والقوة والعدالة. وهذه هي المسافة الفاصلة بين الشيعة الكميين والشيعة النوعيين، وبين أن يكون الإنسان مجرد حامل لهوية ورثها، وبين أن يصبح شريكاً واعياً في صناعة حاضرها ومستقبلها.